د. الشريف:على علماء الدين ألا يطمعوا بدور قياديّ في السياسة



على علماء الدين ألا يطمعوا بدور قياديّ في السياسة
محمد عبدالغفار الشريف: الديمقراطيّة في البلاد العربيّة ثوبٌ يُلبس للمناسبات
المعارضة السياسية حق مشروع بحسب ما يرى فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الغفار الشريف، الذي أوضح في حديثه لـ{الجريدة» مسائل فقهية عدة متعلقة بالخروج على الحاكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وواجبات الحاكم والمحكوم.
يأخذ الدكتور الشريف بالرأي الذي يمنع الخروج المسلّح، الذي يسمى بالمحاربة وبالبغي. فممنوع التحريض ضد الحاكم المسلم، ما أقام الصلاة فينا. كذلك يتطرّق الشريف إلى قضايا محلية كثيرة مثل «التأزيم» الذي نشهده في مجلس الأمة، وتراجع أولويات التنمية، ويتحدّث عن أسباب الاستقرار السياسي في دول مجلس التعاون، مقارنة بما نشهده من اضطرابات في الوطن العربي.
في ظل الثورات المتتابعة في الوطن العربي نجد أن دول الخليج هي الأكثر استقراراً، ما أسباب هذا الاستقرار من وجهة نظرك؟

لهذا الاستقرار أسباب عدة من بينها: الرخاء الاقتصادي، فمستوى دخل المواطنين في معظم دول الخليج فوق المتوسط، مع تكفّل الدولة بالخدمات الأساسية من تعليم وصحة ومساعدتها في توفير السكن المناسب، ومساعدة الراغب في الزواج، أضف إلى ذلك التجانس الاجتماعي بين السكان وقرب الحاكم من الشعب، إذ يستطيع المواطن الوصول إلى الحاكم، أو من يمثله بسهولة، ناهيك بقلة عدد السكان في هذه المنطقة، ما يؤدي إلى كفاية الموارد للجميع.

برأيك هل المحرك الأول للثورات العربية المطالب الاجتماعية أم السياسية؟

اجتمعت أمور كثيرة لتحريك الثورات العربية:
أولّها الفقر وعدم توافر فرص العمل للراغبين فيه، وانتشار الفساد الإداري والاقتصادي في الدول العربية والذي يبدأ من الصغير إلى أن ينتهي بالكبير، ولا ننسى الحكم الدكتاتوري في معظم الدول العربية والتضخّم الذي أدى إلى غلاء المعيشة مع انخفاض الأجور، ما زاد عدد الفقراء في المجتمعات العربية. وأخيراً، انتشار الوعي السياسي والثقافي بين الشباب العربي، عن طريق وسائل الإعلام الحديثة غير الموجّهة من الحكومات.

الصراع الذي يشهده مجلس الأمة راهناً وخصوصا الشق الطائفي منه، هل تتوقع أن ينتهي إلى إثارة الشارع ومن ثم الاعتصامات والتظاهرات؟

الصراع في مجلس الأمة دليل على غياب برامج تنموية لدى الكتل والأعضاء، ما يؤدي إلى افتعالهم الأزمات ليظهروا للشعب أنهم ينجزون وأن الفساد ناتج من سوء أداء الحكومة، بينما الواقع يثبت أن الفساد مشترك، وما يؤسف له أن بعض الأعضاء يستغل القضايا الطائفية والعنصرية لدغدغة مشاعر الناس وإلهائهم عن قضاياهم المهمة التي تحسن مصالحهم وواقعهم. لكنني متأكد من أن للشعب الكويتي حداً يقف عنده، لأنه لا يريد أن يخسر كثيراً من مكاسبه المرتبطة بالحكومة.

مدنية الدولة أحد مطالب الثورات العربية الأساسية، وثمة أيضاً من يطالب بالدولة الدينية، فهل الدولة الإسلامية مدنية أم دينية؟

الدولة الإسلامية دولة مدنية، المشروعية العليا فيها للشريعة الإسلامية. وهي مدنية لأن الحاكم يُعيَّن باختيار الشعب ولا يجوز له أن يحكم باسم الله، بل باسم الشعب لأنه وكيل عنهم، لذا لما قال الناس لسيدنا أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ يا خليفة الله، قال: أنا لست خليفة الله، بل خليفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.
أما كون المشروعية العليا في الدولة المدنية تعود الى الشريعة الإسلامية، يعني ذلك أنه لا يجوز تشريع قانون يخالف أحكام الشريعة الإسلامية القطعية. أما بالنسبة الى الاجتهاد فيجوز التخيّر منها.

نظراً إلى الأحداث السياسية المتلاحقة في الكويت، يلاحظ البعض تراجع القضايا الملحة الأخرى مثل التعليم والصحة وشؤون الأسرة، ما رأيك؟

سبب تراجع هذه القضايا هو وضعها في سلّم الأولويات عند المجلس والحكومة، وخوف المسؤولين في الدولة من إنشاء مشاريع جديدة وتحمّل مسؤولية فشلها، ومن ثم محاسبة مجلس الأمة، مع تشويه السمعة.

ما هو الدور الذي يجب أن تقوم به المؤسسات الدينية الكبرى في العالم العربي لحماية مبادئ الثورة في كل مكان؟

للأسف، المؤسسات الدينية والشخصيات الدينية تنقصها المبادرة، ودائماً تدخل الساحة متأخرة باستثناء البعض مثل العلامة أ. د يوسف القرضاوي وآخرين، وهذا لا يجعل لكلامهم أثراً مقبولاً. أما دورهم في حماية الثورة، فهو أن يوجهوا الشباب الى الخلق السني والتمسك بالدِين القويم، وأن يساعدوهم في الوصول الى حلول ناجعة لمشكلات المجتمع وألا يطمعوا بدور قيادي في السياسة، لأنهم سيفقدون ثقة الناس.

بعد نجاح الثورة في مصر، ما هو السبيل إلى إرساء دولة مدنية ذات مبادئ إسلامية؟

للإجابة عن هذا السؤال أحيلك إلى بيان الأزهر ونخبة من المثقفين حول مستقبل مصر، إذ أعلن الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر هذا البيان فيما سمي إعلامياً باسم «وثيقة الأزهر»، موضحاً أن الوثيقة التزمت فى بلورة مستقبل مصر بالتزام المنهج الوسطي السديد للأزهر، وتوافق واضعوها على ضرورة تأسيس مسيرة الوطن على مبادئ كلية وقواعد شاملة تناقشها قوى المجتمع المصري.
وأضاف «الطيب» أن الجميع يعترف بدور الأزهر القيادي في بلورة الفكر الإسلامي الوسطي السديد، وأن المجتمعين يؤكدون أهميته واعتباره المنارة الهادية التي يُستضاء بها، ويحتكم إليها فى تحديد علاقة الدولة بالدين وبيان أسس السياسة الشرعية الصحيحة التى ينبغي انتهاجها؛ ارتكازاً على خبرته المتراكمة، التى تتمثل فى البعد الفقهي فى إحياء علوم الدين وتجديدها، طبقاً لمذهب أهل السنة والجماعة الذي يجمع بين العقل والنقل ويكشف عن قواعد التأويل المراعية للنصوص الشرعية، والبعد التاريخي لدور الأزهر المجيد فى قيادة الحركة الوطنية نحو الحرية والاستقلال، وإحياء مختلف العلوم الطبيعية والآداب والفنون بتنوعاتها الخصبة، والبعد العملي فى قيادة حركة المجتمع وتشكيل قادة الرأي في الحياة المصرية.
وأعلن الطيب «أن المجتمعين اتفقوا على المبادئ التالية لتحديد طبيعة المرجعية الإسلامية النيّرة، التي تتمثل أساساً في عدد من القضايا الكلية، المستخلصة من النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة، بوصفها المعبّرة عن الفهم الصحيح للدين».
أولاً: دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلّطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية.
ثانياً: اعتماد النظام الديمقراطي، القائم على الانتخاب الحر المباشر، لأنه الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدولة بالقانون – والقانون وحده وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية التامة وحرية الحصول على المعلومات وتداولها.
ثالثاً: الالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الأديان السماوية، واعتبار المواطنة مناط المسؤولية في المجتمع.
رابعاً: الاحترام التام لآداب الاختلاف وأخلاقيات الحوار، وضرورة اجتناب التكفير والتخوين واستغلال الدين واستخدامه لبعث الفرقة والتنابذ والعداء بين المواطنين، مع اعتبار الحث على الفتنة الطائفية والدعوات العنصرية جريمة في حق الوطن، ووجوب اعتماد الحوار المتكافئ والاحترام المتبادل والتعويل عليهما في التعامل بين فئات الشعب المختلفة، من دون أية تفرقة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين.
خامساً: تأكيد الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية، والتمسك بالمنجزات الحضارية في العلاقات الإنسانية، المتوافقة مع التقاليد السمحة للثقافة الإسلامية والعربية، والمتسقة مع الخبرة الحضارية الطويلة للشعب المصري في عصوره المختلفة، وما قدمه من نماذج فائقة في التعايش السلمي ونشدان الخير للإنسانية كلها.
سادساً: الحرص التام على صيانة كرامة الأمة المصرية والحفاظ على عزتها الوطنية، وتأكيد الحماية التامة والاحترام الكامل لدور العبادة لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وضمان الممارسة الحرة لجميع الشعائر الدينية من دون أية مُعوِّقات، واحترام جميع مظاهر العبادة بمختلف أشكالها، من دون تسفيهٍ لثقافة الشعب أو تشويهٍ لتقاليده الأصيلة، وكذلك الحرص التام على صيانة حرية التعبير والإبداع الفني والأدبي في إطار منظومة قيمنا الحضارية الثابتة.
سابعاً: اعتبار التعليم والبحث العلمي ودخول عصر المعرفة قاطرة التقدم الحضاري في مصر، وتكريس كل الجهود لتدارك ما فاتنا في هذه المجالات، وحشد طاقة المجتمع كلّه لمحو الأمية، واستثمار الثروة البشرية وتحقيق المشروعات المستقبلية الكبرى.
ثامناً: إعمال فقه الأولويات في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة الاستبداد ومكافحة الفساد والقضاء على البطالة، وبما يفجّر طاقات المجتمع وإبداعاته فى الجوانب الاقتصادية والبرامج الاجتماعية والثقافية والإعلامية على أن يأتي ذلك على رأس الأوليات التى يتبناها شعبنا فى نهضته الراهنة، مع اعتبار الرعاية الصحية الحقيقية والجادة واجب الدولة تجاه كل المواطنين جميعاً.
تاسعاً: بناء علاقات مصر بأشقائها العرب ومحيطها الإسلامي ودائرتها الأفريقية والعالمية، ومناصرة الحق الفلسطيني، والحفاظ على استقلال الإرادة المصرية، واسترجاع الدور القيادي التاريخي على أساس التعاون على الخير المشترك وتحقيق مصلحة الشعوب فى إطار من الندية والاستقلال التام، ومتابعة المشاركة في الجهد الإنساني النبيل لتقدم البشرية، والحفاظ على البيئة وتحقيق السلام العادل بين الأمم.
عاشراً: تأييدُ مشروع استقلال مؤسسة الأزهر، وعودة «هيئة كبار العلماء» واختصاصها بترشيح واختيار شيخ الأزهر، والعمل على تجديد مناهج التعليم الأزهري؛ ليسترد دوره الفكري الأصيل، وتأثيره العالمي في مختلف الأنحاء.
حادي عشر: اعتبار الأزهر الشريف الجهة المختصة التى يُرجع إليها في شؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة، مع عدم مصادرة حق الجميع في إبداء الرأي متى تحققت فيه الشروط العلمية اللازمة، وبشرط الالتزام بآداب الحوار، واحترام ما توافق عليه علماء الأمة.

تراجع تطبيق الدولة لمبدأ الشورى «الديمقراطية»، هل هو سبب اشتعال فتيل الثورة في كثير من البلدان العربية؟

الديمقراطية في البلاد العربية ثوب يُلبس للمناسبات وليس لها واقع صادق، إلا بمقدار ما يحقق مصالح الفئة الحاكمة، فهي وسيلة تستخدم لإسكات الشعب، أو لإلهائه عن حقوقه الأساسية فكم من مظلمة انتهكت في بلاد العرب والمسلمين باسم الديمقراطية، أو الشورى، وباسم تطبيق أحكام الشريعة؟

بعد اندلاع الثورات العربية ظهرت أصوات إسلامية تنادي بعودة دولة الخلافة، كيف ترى ذلك، وهل يتماشى مع روح العصر؟

لا أرى الوقت مناسباً لدولة الخلافة إنما لقيام دول مدنية، ديمقراطية، إقليمية، المشروعية العليا فيها لأحكام الشريعة، وتؤلف بينها رابطة أو جامعة إسلامية.

ما واجبات الحاكم في الإسلام، وكيف يمكن تطبيقها اليوم على حكامنا في العالم العربي؟

أبرز واجبات الحاكم المسلم هي:

أ- إقامة العدل بين الرعية.
ب – الشورى.
ج – حماية أحكام الإسلام من الاعتداء والتطاول عليها.
د – حماية البلاد.
هـ – تطوير البلاد، واللحاق بركب الحضارة.
و – الحفاظ على السلوك القويم في المجتمع باتباع الأخلاق الإسلامية.

هل ظهور الإسلام في شبه الجزيرة كان في حد ذاته ثورة… ثورة على عبادة الأوثان التي كانت سائدة آنذاك؟
عبادة الأوثان كانت وما زالت منتشرة حتى في الأمم المتحضّرة، وهل عبادة الصليب، إلا عبادة لوثن؟ لكن الله اختار هذه الجزيرة لدعوة التوحيد، لأن طبيعتها الصحراوية تجعل الناس أقرب الى الفطرة، لذا سهل تغييرهم، بعكس الأمم المتحضّرة التي تخاف من التغيير على مكتسباتها… والله أعلم.
كيف يكون التغيير والإصلاح في المجتمع وفق الرؤية الشرعية الإسلامية؟

يبدأ الإصلاح بالفرد ليصلح المجتمع، وبالأخلاق لتصلح القوانين والنظم، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق».

هل ثمة أنواع متباينة للخروج على الحاكم: التعبير بالقول كالتظاهرات السلمية في عصرنا الراهن، أو التعبير بالفعل «الخروج بالسيف» مثلما هو حاصل في ليبيا اليوم؟

المعارضة السياسية حق مشروع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب الحاكم والمحكوم «من رأى منكم منكراً فليغيره… الحديث». و{الدين النصيحة، لله، ولرسوله، ولائمة المسلمين، وعامتهم». لكن الممنوع الخروج المسلّح، الذي يسمى بالمحاربة، وبالبغي. وكذلك ممنوع التحريض ضد الحاكم المسلم، ما أقام الصلاة فينا.

ما هي الحالات التي يكون فيها الخروج على الحاكم فرض عين؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يأتي:
أجمع العلماء على أن الإمام إذا كان عادلاً تجب طاعته، ويحرم الخروج عليه لقوله تعالى «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، وأما الخروج على الإمام الجائر فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوال كما يلي:
دوام الإمامة: يشترط لدوام الإمامة دوام شروطها، وتزول بزوالها إلاّ العدالة، فقد اختلف في أثر زوالها على منصب الإمامة على النّحو التّالي:
عند الحنفيّة ليست العدالة شرطاً لصحّة الولاية، فيصحّ تقليد الفاسق الإمامة عندهم مع الكراهة، وإذا قلّد إنسان الإمامة حال كونه عدلاً، ثمّ جار في الحكم، وفسق بذلك أو غيره لا ينعزل، لكن يستحقّ العزل إن لم يستلزم عزله فتنةً. ويجب أن يدعى له بالصّلاح ونحوه، ولا يجب الخروج عليه. كذلك نقل الحنفيّة عن أبي حنيفة، وكلمتهم قاطبةً متّفقة في توجيهه على أنّ وجهه: هو أنّ بعض الصّحابة رضي الله عنهم صلّوا خلف أئمّة الجور وقبلوا الولاية عنهم. وهذا عندهم للضّرورة وخشية الفتنة.
وقال الدّسوقيّ: يحرم الخروج على الإمام الجائر لأنّه لا يعزل السّلطان بالظّلم والفسق وتعطيل الحقوق بعد انعقاد إمامته، وإنّما يجب وعظه وعدم الخروج عليه، إنّما هو لتقديم أخفّ المفسدتين، إلاّ أن يقوم عليه إمام عدل، فيجوز الخروج عليه وإعانة ذلك القائم. وقال الخرشيّ: روى ابن القاسم عن مالكٍ: إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على النّاس الذّبّ عنه والقتال معه، وأمّا غيره فلا، دعه وما يراد منه، ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ، ثمّ ينتقم من كليهما. وقال الماورديّ: إنّ الجرح في عدالة الإمام، وهو الفسق على ضربين: أحدهما ما تبع فيه الشّهوة، والثّاني ما تعلّق فيه بشبهةٍ. فأمّا الأوّل منهما فمتعلّق بأفعال الجوارح، وهو ارتكابه للمحظورات وإقدامه على المنكرات تحكيماً للشّهوة وانقياداً للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة إلاّ بعقدٍ جديدٍ. وقال بعض المتكلّمين: يعود إلى الإمامة بعودة العدالة من غير أن يستأنف له عقد ولا بيعة، لعموم ولايته ولحوق المشقّة في استئناف بيعته.
وأمّا الثّاني منهما فمتعلّق بالاعتقاد المتأوّل بشبهةٍ تعترض، فيتأوّل لها خلاف الحقّ، فقد اختلف العلماء فيها: فذهب فريق منهم إلى أنّها تمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، ويخرج منها بحدوثه لأنّه لمّا استوى حكم الكفر بتأويلٍ وغير تأويلٍ وجب أن يستوي حال الفسق بتأويلٍ وغير تأويلٍ. وقال كثير من علماء البصرة: إنّه لا يمنع من انعقاد الإمامة، ولا يخرج به منها، كما لا يمنع من ولاية القضاء وجواز الشّهادة.
وقال أبو يعلى: إذا وجدت هذه الصّفات حالة العقد، ثمّ عدمت بعد العقد نظرت، فإن كان جرحاً في عدالته، وهو الفسق، فإنّه لا يمنع من استدامة الإمامة. سواء كان متعلّقاً بأفعال الجوارح. وهو ارتكاب المحظورات، وإقدامه على المنكرات اتّباعاً لشهوته، أو كان متعلّقاً بالاعتقاد، وهو المتأوّل لشبهةٍ تعرض يذهب فيها إلى خلاف الحقّ. وهذا ظاهر كلامه (أحمد) في رواية المروزيّ في الأمير يشرب المسكر ويغلّ، يغزى معه، وقد كان يدعو المعتصم بأمير المؤمنين، وقد دعاه إلى القول بخلق القرآن.
وقال حنبل: في ولاية الواثق اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد اللّه قالوا: هذا أمر قد تفاقم وفشا- يعنون إظهار القول بخلق القرآن- نشاورك في أنّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه. فقال: عليكم بالنّكير بقلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعةٍ، ولا تشقّوا عصا المسلمين. وقال أحمد في رواية المروزيّ، وذكر الحسن بن صالح بن حيٍّ الزّيديّ فقال: كان يرى السّيف، ولا نرضى بمذهبه.
البغي حرام، والبغاة آثمون، ولكن ليس البغي خروجاً عن الإيمان، لأن الله سمى البغاة مؤمنين في قوله تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله…»، إلى أن قال: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم»، ويحل قتالهم، ويجب على الناس معونة الإمام في قتالهم. ومن قتل من أهل العدل أثناء قتالهم فهو شهيد. ويسقط قتالهم إذا فاؤوا إلى أمر الله، ويقول الصنعاني: إذا فارق أحد الجماعة ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم يخلى وشأنه، إذ مجرد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال المخالف.

جريدة الجريدة 1 أغسطس 2011