مناهج التعليم الديني عجزت عن مواكبة التغيير الاجتماعي وتطويرها

الأنباء - الإيمان - الجمعة 29 شوال 1420 هـ 4 فبراير 2000 العدد 8520

عميد كلية الشريعة د. محمد عبد الغفار الشريف في حوار مع الأنباء ( ملحق الإيمان )
مناهج التعليم الديني عجزت عن مواكبة التغيير الاجتماعي وتطويرها واجب شرعي لملاحقة مستجدات الفكر التربوي وتطبيقاته.


أجرى الحوار سامح هلال :

وصف عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية د. محمد عبد الغفار الشريف، مناهج التعليم الديني الحالي بأنها عجزت عن الإسهام الفعال في توجيه التغيير الاجتماعي أو المساهمة في حل مشكلات المجتمع أو ملاحقة التطور في الفكر التربوي وتطبيقاته، مؤكداً إن تطوير هذه المناهج لم يعد عملاً اختيارياً أو احتمالياً، ولكنه أصبح عملاً حتمياً لا يمكن للمعاهد الشرعية أن تحقق أهدافها إلا بإنجازه على أفضل وجه ممكن.
ودعا د. الشريف إلى ملائمة هذه المناهج لتدرج مراحل النمو الفكري والعقلي لطلاب المعاهد الشرعية، مع مراعاة التكامل في المادة العلمية بين مقررات التعليم العام ومقررات الكليات الشرعية سعياً لتحقيق الوحدة الفكرية بين أبناء المجتمع، مشيراً إلى ضرورة مواكبة هذه المناهج لروح العصر ومتطلباته والعمل على استيعاب المتغيرات ومعالجة المشكلات وملاحقة علوم العصر فضلاً عن تضمينها ما يطرح من أفكار ونظريات في المجالات الحياتية ومواكبة الخطط التنموية المطلوبة للمجتمع.

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

يتحدث البعض عن ضعف التعليم الشرعي بصيغته الحالية، ويطالبون بإجراء تغييرات جذرية عليه ليصبح قادراً على مواكبة العصر، ما رأيك؟

التطوير سنة ربانية، قال تعالى: "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون"، وقال عز وجل "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين".
وتنطبق سنة التطور على كل شيء في الحياة، من ذلك التعليم الشرعي، فقد بدأ التعليم الشرعي في المساجد ثم انتقل إلى المدارس والأربطة، إلى أن تطور به الحال إلى الكليات والجامعات.

ومن سنن الحياة أن التغيير أو التطوير يواجهان بالرفض بادئ ذي بدء، فعندما أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بتدوين القرآن، استنكر أبو بكر ذلك حتى أقنعه عمر بصواب رأيه، فبدأ المسلمون بتدوين القرآن غير منقوط ولا مشكول ولم ترقم آياته وتحزب أجزاؤه، وقد تم ذلك على مراحل.
وبعد نماء الثروة الفكرية على مر القرون في شتى العلوم الإسلامية الشرعية انعكاساً وترجمة حقيقية للتطور نظراً لحاجة الناس وملاحظة حالهم، وقد كان العلماء في كل عصر من العصور يلبون حاجة المجتمع ويعدون تلاميذهم لذلك مع ثبات المقاصد وتحرك الوسائل، ولا أدل على ذلك من مؤلفات عالم واحد في شتي مجالات العلوم الإسلامية، وكتب الفتاوى والنوازل شاهدة على إن العلماء في الزمن الماضي كان أعدادهم يؤهلهم لذلك، أعني أنهم لم يكونوا بمعزل عما حولهم في الجانب الفكري والعملي، وهذا هو أساس التطوير.

وكما هو معلوم أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ونتيجة للحالة التي كان عليها المسلمون آنذاك في مجالات التعليم وما رافقه من حملات نشطة من غير المسلمين، لأن المناخ كان مهيأ ليكرسوا أنظمة في التعليم أبعدت النشء عن العلم الشرعي غير بقية باقية من أنظمة التعليم التي ظلت محافظة على القديم قناعة وخوف من ضياع ذلك القديم، وهذا شيء لا يعترض عليه كما هو الحال في بعض المعاهد الشرعية في بعض الجامعات العريقة، ومع ذلك لم تسلم هذه المعاهد الباقية من محاولات تقوية مناهجها حيناً وإضعافها حيناً آخر حتى وصلت إلى ما هي عليه.
وكلية الشرعية بجامعة الكويت مثال تطبيقي لهذا الأمر، فهي تسعى جاهدة لتطوير مناهجها وطرق التدريس فيها. وتسعى لإعداد طلابها للتعامل مع العصر الذي يعيشونه دون إخلال بأسس العلم الشرعي، كما تعمل الكلية على إعداد الباحثين المؤهلين لمواصلة البحث في العلوم الشرعية، ليس للاستزادة من العلم فحسب، وإنما من أجل الوقوف في وجه التحديات والتيارات الفكرية المعاصرة في شتى المجالات الحياتية.

أسس التطوير
وما هي أسس التطوير المقترحة للنهوض بالتعليم الشرعي في نظرك؟

الحقيقة، إن طرح قضية تطوير التعليم الشرعي تتطلب أولاً الإجابة على بعض الأسئلة مثل: ماذا نريد من هذا التطوير، ولماذا، وكيف نحقق هذا المراد؟
أعتقد أن المراد من هذا التطوير إيجاد فئة من المسلمين المؤهلين في مجال العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية بمستوى يمكنهم من القيام بإرشاد الناس في أمور دينهم والإجابة عن استفتاءاتهم، وكتابة أبحاث جيدة في الأمور المستجدة، نظراً للحاجة الدائمة لهذه الأمور في المجتمعات الإسلامية، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق تطوير المعاهد والكليات الشرعية لكي تتمكن من القيام بالدور العلمي والاجتماعي المنوط بها المساهمة بفاعلية في تنمية المجتمع والنهوض به.
والظاهر أن تحقيق هذا المراد يحتاج إلى الوقفة التي يرافقها النظر والتقويم لأسس العملية التعليمية بما يحقق الملائمة بين الدارس وعصره وما يحيط به.

وهذه النظرة التقويمية لأسس العملية التعليمية تعيشها اليوم كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بعد مضي عقد ونصف العقد من الزمن على إنشائها لتستطيع كلية الشريعة مواكبة متطلبات عصر التقدم العلمي والنشاط الفكري دون إخلال بالعلوم الشرعية، في إطار الإمكانات المتاحة لها.
وإذا كان أمر التطوير والتقويم من أهم قضايا كلية الشريعة والدراسات الإسلامية فينبغي التناسب والتناسق في الرؤية حتى يتحقق التدرج وعدم الانفصام أو التكرار وصولاً إلى مستوى أكاديمي رائد في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في العملية التعليمية، ويمكن إنزال رؤية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية لتطوير أسس العملية التعليمية والتي تتضمن "المناهج، والكتاب، والمدرس، والطالب، والأنشطة المساندة:" على المعاهد الشرعية في دولة الكويت وغيرها.

شيء من الخلل
ذكرت أن التطوير يشمل المناهج الشرعية التي يتم تدريسها حالياً وهذا يعنى أن هذه المناهج تحتوي على شيء من الخلل، أين يكمن هذا الخلل، وما رؤيتك لتقويمه؟

لاشك إن تطوير المناهج عامل أساسي في مقومات العملية التعليمية، فهو ليس عملاً اختيارياً أو احتمالياً ولكنه عمل حتمي، لا يمكن للمعاهد الشرعية أن تحقق أهدافها إلا بإنجازه على أفضل وجه ممكن، ولاشك أن الحاجة ملحة لإعادة ا لنظر في مناهج المعاهد والكليات الشرعية وتطويرها، خاصة في زمننا الراهن الذي باتت المشكلات تعصف بعالمنا الإسلامي وتمسك بتلابيبه، وفي زمن صارت العولمة شعاره، والعلمانية دثاره، ولا أريد الخوض في دواعي تطوير المعاهد الشرعية لأن الواقع يغني عن الخوض في هذا المضمار ويكفي للتدليل على ذلك عجز المناهج الحالية وعدم قدرتها على الإسهام الفعال في توجيه التغيير الاجتماعي أو المساهمة في حل مشكلات المجتمع أو ملاحقة التطور في الفكر التربوي وتطبيقاته، لذا اقتراح لتحقيق هذه الأهداف ما يلي:
- ملائمة هذه المناهج لتدرج مراحل النمو الفكري والعقلي لطلاب المعاهد الشرعية.
- مراعاة التكامل في المادة العلمية بين مقررات التعليم العالم ومقررات الكليات الفكرية بين أبناء المجتمع.
- مواكبة هذه المناهج لروح العصر ومتطلباته والعمل على استيعاب المتغيرات ومعالجة المشكلات وملاحقة علوم العصر.
- إضافة دراسات علمية تطبيقية مساندة اختيارية إلى جانب دراسة الطالب في الكلية لتفتح المجال أمامه لدراسة أكاديمية في هذه العلوم كي تتاح للخريج خيارات متنوعة مثل إقرانه في نظام التعليم العام والمقررات فيزول بذلك الانفصام المفتعل بين رغبة الطالب بتعلم دينه والتخصص بالعلوم الشرعية، وبين تأمين مستقبله الاجتماعي وتحقيق أمنه الوظيفي، إذ إن إدخال الدراسات المساندة من شأنه أن يزيل الصراع الذي يعيشه الطالب بين الحفاظ على هويته وتأمين مستقبله، ولنا في سلفنا أسوة حسنة، فالكثير منهم إلي جانب تخصصيه الشرعي، كان متخصصاً في علوم أخرى كالطلب والهندسة وغيرهما، ومن هؤلاء: الغزالي، ابن رشد، الرازي، ابن النفيس، القرافي.......الخ.

تضمين هذه المناهج الدراسية ما يطرح من أفكار ونظريات في المجالات الحياتية ومواكبة الخطط التنموية المطلوبة للمجتمع.
العناية بطرق التفكير وحل المشكلات والتنسيق والتكامل الرأسي والأفقي بين الخبرات.
التركيز على المهارات العملية وتوسيع دور المكتبات والمعامل والمختبرات والورش والرحلات في تنفيذ أهداف المناهج، كل ذلك دون الإخلال بالمتطلبات الأساسية لإعداد طالب العلم الشرعي من علوم شرعية، وعلوم مساندة.
إتباع الطرق العلمية في تقويم المناهج التعليمية والاستفادة من نتائجه في تطوير تلك المناهج لأن عملية تطوير المناهج لا ينبغي أن يتم دون ضبط علمي ومنهجية سليمة، إذ إن غياب هذين المحورين من شأنه أن يخضع عملية التطوير للأهواء الشخصية.

وقد حصر أحد الباحثين أسس تطوير المناهج باثنتي عشرة نقطة هي: أن يبنى تطوير المنهج على نتائج تقويمية، أن يكون التطوير هادفاً ومرناً ومستمراً، أن يكون التطوير شاملاً ومتكاملاً ومتوازناً وتعاونياً، أن يراعي التطوير خصائص المتعلم وخبراته، أن يراعي حاجات كل من المجتمع والبيئة المحلية ويستثمر إمكاناتهما، أن يفي التطوير بمتطلبات التربية الإسلامية، أن يسهم التطوير في إثراء حصيلة المتعلمين في اللغة العربية الفصحى، أن يستثمر التطوير كلاً من التقدم العلمي والتقدم التقني، أن يستثمر التطوير التقدم التربوي، أن يقوم التطوير على البحث العلمي والتجريب التربوي، أن يستشرف التطوير حاجات المستقبل ومشكلاته، وأن تتوافر للتطوير الإمكانات اللازمة لإنجازه على الوجه الصحيح.

لغة التخاطب
وماذا عن الكتب الدراسي،كيف يمكن تطويره ليسهم بدوره في الارتقاء بطرق الدراسة البحثية والنقاشية، والوسائل التعليمية بشكل عام؟

الكل يعلم بأن الكتاب الدراسي هو لغة التخاطب المفهوم والمحققة للغرض في العملية التربوية والتعليمية، لذا ينبغي أن يتسم هذا الكتاب بما يلي:
الوضوح والموضوعية والشمولية المناسبة لحال المتلقي بما يحقق الغرض.
التناسق الفكري والعلمي في لغة التخاطب مما يستدعي معه أن يكون الكتاب مؤلفاً تأليفاً جماعياً من لجنة مختصة ذات خبرة تشكل لهذا الغرض كما تفعل كلية الشريعة الآن.

أن يوفر الكتاب للطالب فرصة البحث والنقاش لتنمية قدرات الطالب على الصياغة والتحليل الفكري، عن طريق المسائل والتمرينات، وعن طريق المسائل العلمية.
الاهتمام بالشكل العام للكتاب حيث تعرض المادة العلمية بطريقة مشوقة تحبب الطالب بمادة الكتاب بواسطة استخدام الصور والألوان ما أمكن.
إدخال التقنيات الحديثة والوسائل التعليمية عن طريق استحداث مختبرات لغوية لتعليم النطق الصحيح واستحداث مختبرات للكمبيوتر لتدريس تجويد القرآن، وتخريج الأحاديث، والمواريث وفقه الزكاة، وإدخال شبكة الانترنت في مكتبات المعاهد والكليات الشرعية، مع استحداث قسم خاص بالوثائق والمخطوطات، وتخصيص قاعة لطرق التدريب ووسائله.

حلقة وصل
لكن هذا التطوير يحتاج إلى نوعية خاصة من المدرسين تستطيع استيعابه وتطبيقه، هل تتوافر هذه النوعية في المعاهد والكليات الشرعية، وكيف يمكننا النهوض بمستوى المدرس الشرعي بشكل عام؟

الكل يعلم أن الأستاذ حلقة الاتصال بين المنهج والطالب، لذا ينبغي العناية بالأستاذ وتدريبه والعمل على ما يحقق تنمية ذاته وتطوير خبرته، وذلك بالوسائل التالية:
إدخال المدرس في دورات تدريبية في مهارات التدريس وطرقه، التي من شأنها تنمية مهاراته والارتقاء بأساليب تدريس العلوم الشرعية وتطوير ووسائله والخروج من الأطر التقليدية والأساليب القديمة، إذ أن المقارن لمستوى أداء مدرس التعليم العام والمقررات مع مدرس المعاهد الدينية يلحظ أن مناهج التعليم العام والمقررات تخضع لتطوير مستمر يواكبه تنمية في قدرات المدرس التعليمية، في حين إن مناهج وقدرات مدرس التعليم في المعاهد الدينية لا تخضع إلى أي عملية تطوير في الغالب.
تطوير المستوى الثقافي للأستاذ بحيث يلم بمستجدات العصر، علاوة على إلمامه بالعلوم الشرعية.
تنويع المواد الدراسية للأستاذ حتى لا ينسى معلوماته الشرعية.
متابعة أبحاث الأستاذ في جميع مراحله الوظيفية وعدم إهمال هذا الجانب ليكون متابعاً لمستجدات تخصصه.
التنسيق بين المعاهد الشرعية ومخرجات التعليم العالي "كلية التربية الأساسية" في تحديد متطلبات المعاهد الشرعية من خريجين مراعين معايير معينة واعتبارات خاصة تحتاج إليها المعاهد الشرعية بخلاف المعايير والاعتبارات الخاصة بمخرجات التعليم العالي في نظامي التعليم العام والمقررات.

الطالب المناسب
وما نصيب طلبة العلم الشرعي من هذا التطوير والتغيير؟

ليس بخاف على أحد كيف تغيرت النظرة لطالب العلم الشرعي من الحسن على ما يقابله من قرينه طالب العلوم الأخرى، وهذا التغيير له أسبابه يجب أن نعمل على إزالتها، ويكون ذلك من خلال المنهج وطرق التدريس والمدرس الكفء الذي يدرس هذا الطالب.

ويستدعي أيضاً إعادة النظر في اختيار الطالب المناسب، وذلك من خلال إجراء اختبار القدرات للطالب المتقدم للكلية، وذلك لتنظيم عملية القبول للكفاءة من الطلاب، فيقع الاختيار على الطلبة المتميزين والنابهين، إذ إن الناظر إلى مستوى المنتسبين للتعليم الشرعي في المعاهد الدينية يجد إن المستوى العلمي للغالبية منهم متدن، أو إن طموحاتهم محدودة مما يؤثر سلباً في انخفاض مستواهم التحصيلي بخلاف المنتسبين للتعليم العام، ومن باب الاهتمام بنوعية الطلبة المنسبين للمعاهد الشرعية نقترح الآتي:
إتاحة الفرصة لطلبة السنة النهائية للإسهام في اتخاذ القرارات الخاصة بالمناهج الدراسية والمشاركة في تخطيطها وتقويمها وتطويرها، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق قسائم استطلاع الرأي، أو غيرها من الطرق.
استحداث استبيانات الاختبارات والمقاييس التي تكون أساساً للتوجه التعليمي للطلاب وإرشادهم في مسيرتهم الدراسية، وتكون أساساً لتوحيد مستويات التحصيل في كل مراحل التعليم.
وهذه المنهجية في ما اتجهت إليه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية الآن كباقي كليات الجامعة لتطبيقه على طلابها من مخرجات التعليم العام، وقد شكلت لجنة لتحقيق هذا التوجه، ولتنظيم عملية القبول في كلية الشريعة في السنوات القادمة إن شاء الله تعالى.

وينبغي إتباع مثل هذا التوجه في عملية تطوير التعليم الشرعي في المعاهد حتى تتناسق وتتناسب مع المنهجية العلمية الشرعية بين المعاهد والدراسة الأكاديمية في الكليات الشرعية وغيرها، فضلاً عن إقرار الروافد المساعدة للتعليم الأكاديمي وهي كالتالي:
إحياء الحلقات العلمية في المساجد وخصوصاً المساجد المحلقة بالكليات والجامعات الشرعية.
استخدام الإذاعة والتلفزيون والانترنت ووسائل الاتصال الحديثة كوسائل تعليمية مساندة أو ما يسمى في المصطلح الحديث "التعلم عن بعد" وقد أعدت كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بعض المناهج لهذا الغرض.
وضع البرامج التدريبية لخريجي الكلية التي تؤهلهم لأداء واجباتهم الوظيفية.

فنحن إذا حققنا هذه الخطوات نكون قد خطونا خطوة أولى في الاتجاه الصحيح للنهوض بالتعليم الشرعي واختيار مدخلات تعليمية عالية الكفاءة التحصيلية وبناء مخرجات تعليمية سليمة أساسها المنهج القويم ودعائمها الأساتذة الأكفاء، ووسيلتها الكتاب المتميز، وثمرتها الطلبة النجباء، ولن يتأتى هذا كله دون تحديد هوية التعليم الشرعي ورسم معالم رسالته التعليمية وتحديد مخرجاته التعليمية المطلوبه منه.

عالمية الإسلام
كيف يمكننا إبراز عالمية الإسلام في عصر العولمة، وما هي في رأيك أهم ملامح المشروع الإسلامي الذي يتبنى قضايا العصر في الألفية الثالثة؟

الحقيقة إن ملامح إستراتيجية المشروع الإسلامي في مطلع الألفية الثالثة يفرض نفسه علينا فرضاً لأن من واجب الدعاة والعلماء أن يقدموا للعالم ما يحملونه من نظام تشريعي وخلقي واقتصادي واجتماعي وسياسي في إطار النظام العالمي الجديد، الذي بدأت طلائعه تغزو بلادنا وحياتنا، شئنا ذلك أم أبينا.
واعتقد أن الفرض والاستنكار وحدهما لا يكفيان في دفع خطر العولمة التي تهدف إلى تعميم النمط الحضاري الغربي على بلدان العالم كله، وإنما يجب علينا أن نعمل على إحياء العالمية الإسلامية من جديد، لتكون الوجه الآخر للعولمة، الوجه الناصع النقي من الشوائب، الوجه الحضاري المشرق لجيل يؤمن بالأخوة الإنسانية "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم".

إن عالمية الإسلام تتسع لجميع متغيرات الزمان والمكان، ولذا نص علماء الأصول على إنه "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان" ولا يعنون بذلك الثوابت إنما الأعمال المصلحية، التي تمس حياة الناس اليومية.
من هنا يتضاعف واجب العلماء في هذا العصر، لأن ريادتهم للمجتمع تفرض عليهم أن يبينوا للناس ما أنزل الله لعباده من شرع ميسر وصالح لكل زمان ومكان "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس ولا تكتمونه".
قال قتادة- رحمه الله- "وهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئاً فليعلمه، وإياكم وكتمان العلم فأنه هلكة". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار" لذا قال العلماء أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
ومن بيان شريعة الله أن ننطلق بها من القمقم الذي حبسنا أنفسنا فيه لمدة طويلة، وندعوا الناس إلى الحياة السعيدة التي يبحثون عنها في ظل شريعة العدالة والرحمة، في ظل شريعة الله، التي تنشر الخير والسعادة بين الناس جميعهم، دون أن تصادر خصائصهم القومية والوطنية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  " بلال سابق الحبشة إلى الجنة، وسلمان سابق الفرس إلى الجنة، وصهيب سابق الروم إلى الجنة".

المسلم الحقيقي
هل هناك مسافة كبيرة بين المسلم الحالي والمسلم كما أراده الإسلام؟

الإسلام صالح لكل زمان ومكان، ولكن لكل زمان أحكامه، صحيح أن هناك لا تتغير مثل أحكام العقيدة والعبادات الأساسية، إلا أن هناك أحكاماً تتغير بتغير الأزمان، لذلك نجد الفقهاء يقولون "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان" ونجد أيضاً الإمام الشافعي قد غير مذهبه عندما انتقل من العراق إلى مصر لأنه وجد أعرافاً لم تكن موجودة من قبل وفهم النصوص وفقاً للأعراف الجديدة.
والحقيقة أن مسلم الأمس، ومسلم اليوم، ومسلم الغد، كلهم مسلمون بشرط التزامهم بأصول العقيدة، وأساسيات الإسلام، ولكن يتفاوت كل إنسان في كل زمان بمدى التزامه، فما يوجد في هذا الزمان كان يوجد في زمن الصحابة حيث كان هناك من لا يلتزم بكل الأمور، ولذلك أقيمت الحدود على بعضهم، ولكن النسبة تتفاوت من زمن لزمن، ويمكننا القول أن نسبة الالتزام قلت في هذا الزمن بسبب كثرة الفتن وغياب المتابعين لتطبيق الشريعة، وقبل أن نحكم على الناس يجب أن نهيئ لهم الأجواء، لذلك نجد إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقم الحدود في عام الرمادة- عام المجاعة- لأنه من غير المعقول أن نقيم حد السرقة على شعب جائع، أو نقيم حد الزنا على شعب يتعرض للفتن وهنا تبرز مسؤولية ولي الأمر، لأن صلاح الناس مرهون بصلاح أئمتهم، وفسادهم بفساد أئمتهم، فالمسلم هو المسلم، وديننا صالح لكل زمان ومكان، ونسال الله أن يزيدنا تمسكاً بديننا وتبصرا في أحكامه.