مقابلة مع جريدة الأنباء 12-3-1994مـ

الأنباء- السبت 12 مارس1994- العدد 6410
أجري الحوار- عبد الله نايف:
تطبيق الشريعة واجب على الحاكم والمحكوم
الأقليات الإسلامية متمسكة بدينها رغم الضغوط
واقع الدعوة في الكويت بالنسبة لي يتأرجح بين الفرح والخوف
آثار الصوم في النفس البشرية وفي المجتمع


ماذا يعني لك شهر رمضان؟
شهر رمضان يعني لي كما يعني لكل مسلم، فهو شهر القرآن، قال الله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان".
ولذا فان على المسلم أن يفرغ نفسه في هذا الشهر الكريم، لختم القرآن مرة واحدة على الأقل.. لأن جبريل عليه السلام، كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم  القرآن في هذا الشهر. وهو أيضاً شهر الاستزادة من الطاعة والعبادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وهو شهر الخلوة مع الله، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يعتكف في العشر الأواخر من رمضان.
والاعتكاف خلوة المؤمن مع ربه، يتقرب فيه إليه ويناجيه بأحب الكلام إليه.

آثار الصوم
ما آثار الصوم في النفس البشرية وفي المجتمع؟
قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" والتقوى كما وصفها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تشبه حال من دخل أرضاً فيها شوك، فأنه يرفع ثوبه ويتقوى، أي أنه يكون حريصاً عل ألا يؤذي ولا يتأذى.
فالصيام يغرس في نفس الإنسان مراقبة الله لأنه يصوم ولا يطلع عليه أحد سوى الله فلولا خشية الله لما فعل ذلك، والصوم يعلم الإنسان الصبر وحسن الخلق "فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم".
والصوم يشعر الإنسان بشعور الفقير والمحتاج، إذا أحس بقرصة الجوع، كما يشعره بفرحة الطاعة والعبادة "للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه". ومجتمع يتكون من أفراد بهذه الصفات لاشك أنه سيكون مجتمعا إنسانياً مثالياً، بما تعنيه هذه الكلمة، فالمجتمع يتكون من أفراد فإذا أحس كل فرد بمسؤولياته، وراقب الله حق المراقبة، واتقاه في تعامله مع الناس، فلن تجد مظلوماً ولا جائعاً ولا عارياً، ولا حاقداً، إلا من جيلت نفسه على حب البشر، وهؤلاء قلة في المجتمع.

تطبيق الشريعة
ما الطريقة المثلى برأيكم لتطبيق الشريعة الإسلامية؟

تطبيق الشريعة الإسلامية واجب على الحاكم والمحكوم، "ومن لم يحكم بها أنزل الله فأولئك هم الكافرون"
والمسلم الذي لا يرضى على بحكم الله ولا يحبه يكون على خطر عظيم، "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً".
وأول خطوة في سبيل تطبيق الشريعة الإسلامية المطهرة توعية الناس بهذا الدين، وتعليمهم حقوقهم وواجباتهم "فاعلم أنه لا أله ألا الله واستغفر لذنبك والمؤمنين".
يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله- فقدم العلم على العمل ولا مانع من التأني والتدرج في التطبيق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  "من رأي منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا". فهذان أصلان عظيمان للحاكم المسلم في تطبيق الشريعة مع مراعاة الظروف المحيطة به، بشرط عدم التواني والإهمال، وقد وعي الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- هذه القاعدة عند توليه الحكم، فعندما خاطبه ابنه عبد الملك بقمع البدع ورد المظالم منذ أول يوم لتوليه السلطة قال له: يا بني أخشى أن حملت الناس على الحق جملة، أن يخرجوا منه جملة واحدة، ولكن ألا يرضيك أن لا يمر على أبيك يوم إلا يميت فيه بدعة، ويحيي فيه سنة.

العالم الإسلامي
وما رأيك فيما يحدث الآن من مجازر في البوسنة والهرسك وكشمير ومناطق أخرى من العالم الإسلامي؟

يقول الله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم".
ويقول عز وجل" ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء".
ويقول سبحانه: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله".
وفي آيات كثيرات يبين الله تعالى أن الكفار لا يرضون عن أهل الإيمان، بل أن الشيطان زعيمهم قد أعلنها حرباً على آدم- عليه السلام- وذريته قبل نفخ الروح فيهم "قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين".
فهذه حرب قديمة بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي سلسلة من الحروب بدأت مع كل نبي- عليهم الصلاة والسلام- كما بدأت مع سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم  ثم مع أمته، وهي امتداد للحروب الصليبية، ولغزو التتار.. وهكذا ولكن الله تعالى يخبرنا بأن هذا كله بما كسبت أيدينا، يقول عز وجل وهو أصدق القائلين "وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".

الأقليات الإسلامية
ما الدور المطلوب من الدول الإسلامية للدفاع عن حقوق الأقليات الإسلامية في العالم؟

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا أشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
ان أي مصيبة تصيب أي مسلم في مشارق الأرض أو مغاربها، يسأل عنها كل مسلم قادر على إزالتها، ثم لا يفعل.
وأول خطوة لنصرة أنفسنا، قبل نصرة هؤلاء المستضعفين أن نرجع إلى الله "أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" أم الخطوة الثانية فهي الاتحاد والتكاتف وإزالة أسباب الخلاف بيننا يقول الله عز وجل "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا " ويقول سبحانه: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا أن الله مع الصابرين".
ولنعلم جميعاً أننا لسنا في مأمن من مكر هؤلاء مهما بعدنا عنهم، ولنتمثل المثل العربي "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".
فانتصارنا لإخواننا بما نملك، وبما نستطيع إنما هو دفاعنا عن أنفسنا قبل أن يجتاحها الطوفان، "ولات حين مندم "ألا تنفروا يعذبكم، ولا تضروه شيئا، والله على كل شيء قدير"

الدعوة في الكويت
ما تقويمك لواقع الدعوة في الكويت؟

واقع الدعوة في الكويت بالنسبة لي يتأرجح بين الفرح والخوف: الفرح لانتشار الوعي بين المسلمين، والشباب خاصة، وانتشار المظاهر الإسلامية، ومشاركة الشباب المسلم في كل نواحي الحياة، مع الاعتدال وعدم التطرف بشكل عام.
والخوف لما أراه من اختلاف بين الجماعات الإسلامية، ما يؤدي إلى الفرقة والتنازع، ويقول تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم" وأرى أيضاً أن البعض قد نسى رسالته الأصلية في نشر الوعي والدين بين النساء واتجه إلى أمور أخرى كالسياسة- مثلاً- وانشغل بها عن رسالته إلى الحقيقة.
وكذلك فإني أخاف على الشباب المتحمس من التطرف، إذا لم ينشر المتحمس من التطرف، إذا لم ينشر بينهم الوعي الصحيح والثقة في الدين.

ترشيد الصحوة
وكيف يمكن برأيكم ترشيد الصحوة؟

ترشيد الصحوة تكون بما يلي: التفقه في الدين: "وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".
والجاهل عدو نفسه وضرره أكبر من نفعه.
الإخلاص لله رب العالمين: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، فينبغي ألا نخلط مع الدعوة إلى الله حب الظهور، أو حب الرياسة والزعامة، "فأن الله طيب لا يقبل ألا طيبا".
العمل بما ندعو إليه: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".
تعليم الشباب الحب، حب الناس، حب الخير للجميع، قبل أن نعلمهم البغض، فبالحب تتفتح لنا قلوب الناس. "فيما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك".
التسامح، وسعة الصدر، وتقبل الرأي المخالف، والمناقشة بالحكمة والموعظة الحسنة "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".

الكتاب الإسلامي
نلاحظ أن هناك جفاء بين المسلمين والكتاب الإسلامي، ما السبب ومن يتحمل المسؤولية، من العلماء والدعاة أم المسلمون أنفسهم؟

نعم هناك هجر للكتاب الإسلامي الأصيل، والاكتفاء ببعض الرسائل السطحية.
والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم قيام العلماء بدورهم في نشر حلقات العلم في المساجد، والقيام بواجب العلم عليهم من إظهار الحق، وأن خالف ما انتشر بين الناس من معلومات وعادات.
وكذلك الترف، وتوفر الوسائل الترفيهية الكثيرة التي صدت الشباب عن العلم، وعن الانكباب على حلقات العلم.
وتأثراً بعصر السرعة، ليس لدى أكثر الشباب صبر على تحمل شدائد العلم، والمشكلة الكبرى أن كثيراً من الدعاة أنفسهم ينقصهم العلم الشرعي والمعرفة الكافية بالكتب الإسلامية المهمة، وأنبه أخواني إلى أن العلم بالتعلم، كما نطق بذلك الصادق المصدق صلى الله عليه وسلم  "والتعلم أي التلقي عن العلماء، فمن لا شيخ له فالشيطان شيخه"، كما قال السلف، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاكتفاء بالكتاب في أي علم من العلوم، وإلا لما احتاجت الدول إلى أن تنفق عشرات الملايين على التعليم.
وقديماً قيل "من كان شيخه كتابه كثر خطؤه وقل صوابه".