رقم الفتوى: 742

نص السؤال :

ما رأي الأئمة الأربعة في رجل قال " كل شيئ أملكه عليّ حرام " ، فهل تحرم امرأته أم لا؟

الجواب :

حكم تحريم الحلال


الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم الدليل على تحريمها، وبه قال الشافعية وبعض الحنفية ومنهم الكرخي ويعضد هذا المذهب قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (ما أحل الله فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عَفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً).


وروى الطبراني من حديث أبي ثعلبة: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها)، وفي لفظ ( وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة بكم فاقبلوها).


وروى الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- سُئل عن الجبن والسمن والغذاء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه).


وقد نزل في النهي عن تحريم الحلال قول الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ }التحريم-1، إلى قوله تعالى: { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ }التحريم-2، ففي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كان يمكث عند زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فيشرب عندها عسلاً، قال: فتواطأت أنا وحفصة أن أيّتنا ما دخل عليها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فلْتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: (بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له)، فنزل قوله تعالى: { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ }التحريم-1، إلى قوله: { إِنْ تَتُوبَا }التحريم-4، لعائشة وحفصة، والمغافير نوع من الصمغ له رائحة.


وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم -رضي الله عنه- قال: حرّم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أُمّ إبراهيم فقال: أنت عليّ حرام، والله لا آتينك)، فأنزل الله عز وجل في ذلك: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ }التحريم-1.


فهذه روايات وردت في سبب نزول هذه الآية، والتحريم الوارد فيها يمين تلزم به كفّارة يمين، لقول الله تبارك وتعالى: { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ }التحريم-2، وليس تحريماً لما أحل الله.


لأن ما لم يحرّمه الله ليس لأحد أن يحرّمه، ولا أن يصير بتحريمه حراماً، ولم يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال لما أحله الله: هو عليّ حرام، وإنما امتنع من ماريّة ليمين تقدمت منه، وهو قوله: (والله لا أقربها)، فقيل له: { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ }، أي تمتنع منه بسبب اليمين، يعني أقدمْ عليه وكفّر، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرّم الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفّرها.


قال الإمام المفسر الأصولي الفقيه الصوفي ابن جزي-رحمه الله-:


ولنتكلّم عن فقه التحريم، فأمّا تحريم الطعام والمال وسائر الأشياء ماعدا النساء، فلا يلزم شيء عليه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة الكفّارة، وأما تحريم الأَمَة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينو به ذلك كان حكمه ما ذكرناه في الطعام، وأما تحريم الزوجة فاختلف الناس فيه على أقوال كثيرة، فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم إنما يلزم فيه كفارة يمين، وقال مالك في المشهور عنه ثلاث تطليقات في المدخول بها وينوي في غير المدخول بها فَيُحْكَم بما نوى من طلقة أو اثنتين أو ثلاث، وقال ابن الماجشون هي ثلاث في الوجهين وروي عن مالك أنها طلقة بائنة، وقيل أنها طلقة رجعية.


قال الإمام المفسر الصوفي ابن عجيبة الحسني -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }التحريم-1:


{ وَاللَّهُ غَفُورٌ } أي: غفور لك ما كان تركه أولى من الصدع بالحق من غير مبالاة بأحد، ولا تُضيّق على نفسك، { رَحِيمٌ } بك، حيث وسّّع عليك، ولم يرض لك أن تُضيّق على نفسك، قال القشيري: ظاهرُ هذا الخطاب عتابٌ على كونه حَرَّمّ على نفسه ما أحلّ الله لمراعاة قلب امرأته، والإشارة فيه: وجوب تقديم حق الله على كل شيء في كل وقت، ثم قال تعالى، عناية بأمره: { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ }التحريم-2، وتجاوزاً عنه بما كان تركه أولى.


والحاصل: أنه تعالى غفر له ميله للسِّوى -أي للغير- سهواً، والسهو قهرية الحق تعالى، قهر بها عباده ليميّز ضعف العبودية من قوة الربوبية، وهو ليس بنقص في حق البشر، ولكنه لما كان في الغالب لا يحصل إلا مع عدم العزم عُدَّ تفريطاً وهفوة، كما قال تعالى في حق آدم: { فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا }طه-115، فالمغفرة في الحقيقة، وطلب التوبة من السهو، إنما هو لقلة العزم وعدم الحزم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا تصغ بأذنك إلى ما قاله الزمخشري ومن تبعه من كون ما فعله عليه الصلاة والسلام زلة، حيث حرّم ما أحل الله، فإنّه تجاسر على منصب النبوة، وقلة أدب، وقوله تعالى: { مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } زيادة "لك" تردّ ما زعمه الزمخشري، ولو كان كما قال لقال له: لِم تحرّم ما أحلّ الله.


فائدة جليلة:


قال الإمام ابن عجيبة -رحمه الله-:


"فإن قلت: لِم عاتبه الله على هذا التحريم ولم يعاتب يعقوب -عليه الصلاة والسلام- على تحريم لحوم الإبل على ما ذكر في سورة آل عمران؟ قلت: رتبة نبينا -عليه الصلاة والسلام- أرفع في المحبّة والاعتناء، فلم يرضَ منه أن يضيّق على نفسه، أرأيت إن كان لك ولد تحبّه، ووسعت عليه ثم أراد أن يضيّق على نفسه، فإنّك لا ترضى له ذلك، محبّة فيه، وشفقة عليه."


وعلى هذا فإن هذا الرّجل لم يوجه كلامه إلى زوجته، وقال لها أنت عليّ حرام، بل قال: "كل ما أملكه حرام"، فإن كان ينوي عند كلامه ذلك: نكاح امرأته فحكمه ما سبق في كلام ابن جزي -رحمه الله-، وإن لم يقصد فعليه كفّارة يمين -والله أعلم-.