رقم الفتوى: 658

نص السؤال :

ياشيخ أنا كثيرة الحلف بالله ولم أنفذ أي شيء مما أحلف به والمشكلة أني لا أعرف عدد الأشياء التي حلفت بها حتى أكفر عنها. فماذا أفعل؟

الجواب :

أ - حكم التكثير من الحلف.

قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}البقرة-224.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله-:

قال العلماء: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم.

قال سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس، فيقال له: بر، فيقول: قد حلفت.


وقال بعض المتأولين: المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح، فلا يحتاج إلى تقدير " لا " بعد " أن ".


وقيل: المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب، ولهذا قال تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}المائدة-89.


وذم من كثر اليمين فقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ}القلم-10.


والعرب تمتدح بقلة الأيمان، حتى قال قائلهم:


قليل الألايا حافظٌ ليمينه * وإن صدرت منه الأليّةُ بَرَّتِ

وعلى هذا " أن تبروا " معناه: أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعى لحق الله تعالى، وهذا تأويل حسن، مالك بن أنس: بلغني أنه الحلف، بالله في كل شيء.


وقيل: المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل: وقال الزجاج وغيره: معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال: على يمين، وهو لم يحلف القتبى: المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين.


و قوله تعالى: {عرضة لأيمانكم} أي نصبا، عن الجوهري، وفلان عرضة ذاك، أي: عرضة لذلك، أي مقرن له قوى عليه، والعرضة: الهمة، قال:

هم الأنصار عرضتها اللقاء

وفلان عرضة للناس: لا يزالون يقعون فيه، وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له، وقيل: العرضة من الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة: عرضة للنكاح، إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة: أي قوة على السفر والحرب، والمعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر.

أما اليمين اللغو فقد قال الله -تعالى- فيه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}البقرة-225.

واللغو: مصدر لغا يلغو ويلغى، ولَغِيَ يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه، أو بما يلغى إثمه، وفى الحديث: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت)، ولغة أبى هريرة (فقد لغيت)، وقال الشاعر:

ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم

واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس: هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين، قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها.


وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قالت: أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب.


وفى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: نزل قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} في قول الرجل: لا والله، وبلى والله.


وقيل: اللغو ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، قاله مالك، حكاه ابن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف.


قال أبو هريرة: إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه، فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه كفارة، ونحوه عن ابن عباس.


وفى الموطأ قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه، فلا كفارة فيه.


والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه إثم كاذب ليرضى به أحدا، أو يعتذر لمخلوق، أو يقتطع به مالا، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك، أو حلف ليضربنّ غلامه ثم لا يضربه.

ب - حكم البر والحنث فيها.


اليمين المعقودة إما أن تكون على فعل واجب أو ترك معصية أو عكسهما، أو فعل ما هو أولى أو ترك ما تركه أولى أو عكسهما، أو فعل ما استوى طرفاه أو تركه.


فاليمين على فعل واجب أو ترك معصية، كوالله لأصلين الظهر اليوم، أو لا أسرق الليلة ، يجب البر فيها ويحرم الحنث، ولا خلاف في ذلك كما لا يخفى.


واليمين على فعل معصية أو ترك واجب، كوالله لأسرقن الليلة أو لا أصلي الظهر اليوم يحرم البر فيها ويجب الحنث، وظاهر أنه لا خلاف في ذلك أيضاً.


لكن ينبغي التنبه إلى أن الحلف على المعصية المطلقة عن التوقيت يلزمه فيها العزم على الحنث، لأن الحنث فيها إنما يكون بالموت ونحوه.


واليمين على فعل ما فعله أولى أو على ترك ما تركه أولى -كوالله لأصلين سنة الصبح أو لا ألتفت في الصلاة- يطلب البر فيها وهو أولى من الحنث.


واليمين على ترك ما فعله أولى، أو فعل ما تركه أولى -كوالله لا أصلي سنة الصبح أو لألتفتن في الصلاة- يطلب الحنث فيها وهو أولى من البر.


واليمين على فعل ما استوى طرفاه أو على تركه -كوالله لأتغدين هذا اليوم أو لا أتغدى هذا اليوم- يطلب البر فيها، وهو أولى من الحنث.

جـ - كفارة الحنث في اليمين.

لا خلاف بين الفقهاء في أن كفارة اليمين لا تجب إلا بالحنث فيه.


ولا خلاف بينهم في أن موجب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين, وذلك بفعل ما حلف على عدم فعله, أو ترك ما حلف على فعله, إذا علم أنه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله, إلى وقت لا يمكنه فيه فعله.


ولا خلاف على وجوب الكفارة بالحنث في اليمين المعقودة على أمر في المستقبل, نفيا كان أو إثباتاً.

كما لا خلاف بينهم على عدم وجوبها في اليمين اللغو في الزمن الماضي أو الحال, نفياً كان أو إثباتاً.


وإنما الخلاف بينهم في وجوبها في اليمين الغموس, وهي المعقودة على أمر في الماضي أو الحال كاذبة يتعمد صاحبها ذلك.

والراجح عدم وجوبها، والله أعلم.

د - تعدد كفارة اليمين.

ذهب الفقهاء إلى أن من حلف على أمور شتى بيمين واحدة فكفارته كفارة يمين واحدة, كما لو قال: والله لن آكل ولن أشرب ولن ألبس , فحنث في الجميع فكفارته واحدة, لأن اليمين واحدة والحنث واحد, فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث وتنحل اليمين.


واختلفوا فيما إذا حلف بأيمان شتى على شيء واحد بعينه, أو حلف بأيمان شتى على أشياء متعددة:


أ - الحلف على الشيء بعينه مرات كثيرة:


اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف على الشيء الواحد بعينه مرات كثيرة كأن قال: والله لا أفعل كذا, والله لا أفعل كذا, ثم يفعل المحلوف عليه, على قولين:

القول الأول: إنه يجب في ذلك كفارة يمين واحدة, وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول قتادة والحسن وعطاء.

وهذا الذي نختاره، والله أعلم.


قال في المدونة: قلت: أرأيت إن قال: والله لا أجامعك, والله لا أجامعك, أيكون على هذا كفارة يمين واحدة في قول مالك؟ قال: نعم، قلت: أرأيت الرجل يحلف أن لا يدخل دار فلان, ثم يحلف بعد ذلك في مجلس آخر: أنه لا يدخل دار فلان لتلك الدار بعينها التي حلف عليها أول مرة؟ قال: قال مالك: إنما عليه كفارة واحدة.

القول الثاني: وهو للحنفية, وقد فرقوا بين ما إذا كرر المقسم به -وهو اسم الله تعالى- ولم يذكر المقسم عليه حتى ذكر اسم الله تعالى ثانيا, ثم ذكر المقسم عليه, كأن يقول: والله الله لا أفعل كذا وكذا, أو يقول: والله والله لا أفعل كذا وكذا, وبين ما إذا ذكرهما جميعاً, ثم أعادهما جميعاً, كأن يقول: والله لا أفعل كذا الله لا أفعل كذا, أو يقول: والله لا أفعل كذا والله لا أفعل كذا.


وفي الحالتين إما أن يكون التكرار بحرف العطف أو بدونه, كما ذكر في الأمثلة.


فإذا كان تكرار المقسم به بدون حرف عطف -كما في المثال الأول- كانت يمينا واحدة بلا خلاف في المذهب, سواء كان الاسم متفقا كما ذكر أو مختلفا كقوله: والله الرحمن لا أفعل كذا وكذا.


أما إذا دخل بين القسمين حرف عطف -كما في المثال الثاني- فهما يمينان عند محمد, وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف.


وإذا كان تكرارهما جميعاً, كما إذا ذكرهما جميعا ثم أعادهما فهما يمينان, سواء ذكرهما بحرف العطف أو بدونه, كما في الأمثلة المذكورة, سواء كان ذلك في مجلسين أو في مجلس واحد, بلا خلاف في المذهب.


ودليل جمهور الفقهاء بأن سبب الكفارة واحد, فتلزم عنه كفارة واحدة, أما الجمع بين الألفاظ فإنه للتأكيد, لأن الثانية لا تفيد إلا ما أفادته الأولى , فلم يجب أكثر من كفارة واحدة.


ب - الحلف بأيمان متعددة على أمور شتى:


اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف بأيمان متعددة على أمور شتى، نحو أن يقول: والله لا أدخل دار فلان, والله لا أكلم فلانا ففعل ذلك كله على قولين:


القول الأول: أنه يجب على الحالف لكل يمين كفارة, وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية, وهو ظاهر كلام الخرقي, ورواية المروزي عن أحمد.


القول الثاني: أنه يجب على الحالف كفارة واحدة, وبه قال أحمد في رواية ابن منصور, قال القاضي: وهي الصحيحة وهو قول محمد من الحنفية.

وهو المختار، والله أعلم.

وقد استدل القائلون بتعدد الكفّارات بأنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى, فلم تتكفر إحداها بكفارة الأخرى, كما لو كفر عن إحداها قبل الحنث في الأخرى, وكالأيمان المختلفة الكفارة, وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد, فإنه متى حنث في إحداها كان حانثا في الأخرى, فإن كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة, وهاهنا تعدد الحنث, فتعددت الكفّارات.


بينما استدل أصحاب القول الثاني بأنها كفارات من جنس فتداخلت كالحدود من جنس, وإن اختلف محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء.

وقد فصلنا في جواب المسألة، للحاجة إليها وتكررها.

والله أعلم.