رقم الفتوى: 554

نص السؤال :

رجل طلق زوجته ثلاث طلقات في تواريخ متفرقة وقد وثق كلا من هذه الطلقات لدى إدارة التوثيقات بوزارة العدل ثم ادعى أنه كان في حالة غضب في إحدى هذه الطلقات وانه كان لا يعلم ما يقول ووافقته الزوجة والآن يطلب امام المحكمة ألغاء هذه الطلقة لكي يتمكن من العقد على زوجته من جديد دون الحاجة إلى محلل . فهل يقبل القاضي قوله ويلغي هذه الطلقة علما بأنه لا يوجد شهود على طلاقه أو الحالة التي كان عليها وقت إيقاعه الطلقات ؟

الجواب :

هذا السؤال يحتوي على مسائل متعددة ، وهي :

أ- الطلاق الثلاث .

من طلق زوجته ثلاث طلقات حُرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، سواء أكانت متفرقة أم مجتمعة ، قال الله تعالى "
  1. وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ

  2. الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 

قال الإمام المفسر القرطبي - رحمه الله - :-

قوله تعالى " الطلاق مرتان " ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد . وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة ، وكان هذا في أول الإسلام برهة ، يطلق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق ، فإذا كادت تحل من طلاقه راجعها ماشاء ، فقال رجل لأمرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم : لا آويك ولا أدعك تحلين ، قالت : وكيف ؟ قال : أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك . فشكت المرأة ذلك إلى عائشة ، فذكرت ذلك  للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيانا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرجع دون تجديد مهر وولي ، ونسخ ما كانوا عليه . قال معناه عروة بن الزبير وقتادة وابن زيد وغيرهم . وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم : المراد بالآية التعريف بسنة الطلاق ، أي من طلق اثنتين فليتق الله في الثالثة ، فإما تركها غير مظلومة شيئا من حقها وإما أمسكها محسنا عشرتها والآية تتضمن هذين المعنيين .

ب - الطلاق الثلاث بكلمة واحدة .

قال الإمام الفقيه ابن قدامة الحنبلي - رحمه الله - :_

وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة وقع الثلاث ، وحرُمت عليه حتى تنكح زوجا غيره ، لافرق بين قبل الدخول وبعده ، رُوي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعبدالله بن عمرو وابن مسعود وأنس . وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم . وكان عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وعمرو بن دينار ، يقولون : من طلق البكر ثلاثة فهي واحدة ، وروى طاوس عن ابن عباس ، قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر ، طلاق الثلاث واحدة . رواه أبو داود . وروى سعيد ابن جبير وعمرو بن دينار ومجاهد ومالك بن الحارث عن ابن عباس ، خلاف رواية طاوس أخرجه أيضا أبو داود . وأفتي ابن عباس بخلاف ما رواه عنه طاوس .

وقد ذكرنا حديث ابن عمر : أرأيت  لو طلقها ثلاثا . وروى الدارقطني بإسناده عن عُبادة بن الصامت ، قال : طلق بعض آبائي أمرأته ألفا ، فأنطلق  بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يارسول الله ، إن أبانا طلق أمنا ألفا ، فهل من مخرج . فقال : إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجا ، بانت منه بثلاث على غير السنة ، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه . ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا ، فصح مُجتمعا كسائر الأملاك . فأما حديث ابن عباس فقد صحت الرواية عنه بخلافه ، وأفتى أيضا بخلافه . قال الأثرم : سألت أبا عبدالله عن حديث ابن عباس ، بأي شيء تدفعه ؟ فقال : أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه . ثم ذكر عن عدة ، عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث . وقيل : معنى حديث ابن عباس ، أن الناس كانوا يُطلقون واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وإلا فلا يجوز أن يُخالف عمر ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، ولا يسوغ لأبن عباس أن يروي هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويُفتي بخلافه .

جـ ـ طلاق الغضبان .

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الغضبان مكلف في حال غضبه ، ويؤاخذ بما يصدر عنه من كفر وقتل نفس وأخذ مال بغير حق ، وطلاق ، وغير ذلك من عتاق ويمين ، قال ابن رجب في شرح الأربعين النووية : ما يقع من الغضبان من طلاق وعتاق ويمين فإنه يؤاخذ به . وأستدلوا لذلك بأدلة منها : حديث خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت وفيه : غضب زوجها فظاهر منها ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك وقالت : بم يرد الطلاق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أعلم إلا قد حرمت عليه . فجعل الله الطلاق ظهارا ولكن إن غضب حتى أغمي أو  أغشي عليه لم يقع طلاقه لزوال عقله ، فأشبه المجنون في هذه الحالة . والتفصيل في الفتوى رقم 317 فارجع إلى المسألة - هناك - إن شئت .

د - نقض القاضي.

إذا حكم القاضي في مسألة بإجتهاده لخلوها عن نص أو لم يكن مجمعا على حكمها ، لم ينقض حكمه بإجتهاد ثان يقارب ظنه الأول ويناقضه ، وإنما ينقض حكمه الواقع على خلاف نص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع ، أو القياس الجلي على خلاف بين الفقهاء في ذلك وتفصيل ما ينقض فيه القاضي حكم نفسه أو حكم غيره .

قال العلامة البهوتي - رحمه الله :-

يحرم أن ينقض من حكم قاض صالح للقضاء شيء لئلا يؤدي إلى نقض الحكم بمثله وإلى أن لايثبت حكم أصلا ، غير ما خالف نص كتاب الله أو سنة متواترة أو سنة آحاد أو خالف إجماعا قطعيا ، بخلاف الإجماع السكوتي .

وعلى هذا يتضح جواب سؤالك بأن الطلاق واقع ، ولايجوز نقض حكم القاضي في شيء منه ، وليس لهما إلا التسليم لحكم ، عسى الله أن يبدلهما خيرا ، قال الله تعالى : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهما الخيرة من امرهما ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ".

قال السيد الجليل العلامة ابن عجيبة الحسني - رحمه الله :-

في الآية الأولى حث على التفويض وترك الاختيار مع  أمر به الواحد القهار . وفي الحكم : ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهر الله . فالواجب على العبد أن يكون في الباطن مستسلما لقهره ، وفي الظاهر متمثلا لأمره ، تابعا لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولما يُوجب رضاه ومحبته .