رقم الفتوى: 469

نص السؤال :

هل يجوز الرجوع عن الهبة بعد حيازتها؟ وما هي أمارات حسن الخاتمة؟

الجواب :

أ- الرجوع في الهبة.

اختلف الفقهاء في جواز رجوع الواهب في هبته بعد قبض الموهوب له الشيء الموهوب ولهم في ذلك أقوال:

الأول: عدم جواز الرجوع إلا لأب فيما وهب ولده، وهذا مذهب المالكية والحنابلة في المذهب ومقابل المشهور عند الشافعية، وفي المشهور عندهم يلحق سائر الأصول بالأب في جواز الرجوع.

وألحق المالكية الأم بالأب بشرط أن يكون الابن غير يتيم، وظاهر كلام الخرقي أن الأم كالأب في الرجوع مطلقاً.

وحجة هذا القول ما روي عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (لا يحل لواهب أن يرجع في هبت إلا فيما يهب الوالد لولده)، فالحديث نص في عدم جواز رجوع غير الأب في هبته لولده.

وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (العائد في هبته كالعائد في قيئه)، وفي رواية أخرى: (ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه).

الثاني: يصح الرجوع للماهب في هبته بعد القبض إذا لم يصح لم يمنع مانع من موانع الرجوع ولكنه يكره تنزيها، وهذا مذهب الحنفية.

واستدلوا بقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا }النساء-86، والتحية هنا تفسر بالهدية بقرينة قوله "أو ردوها" لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض، لأنه عبارة عن إعادة الشيء وهو غير متصور في الأعراض كالتحية.

واستدلوا بقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها) أي يعوض، فقد جعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض.

وقال الكاساني: إن الرجوع في الهبة مروي عن عمر وعثمان وعلي ابن عمر وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين-، ولم يرد خلافه عن غيرم فكان إجماعاً.

واستدلوا: بأن العوض المالي قد يكون مقصوداً من هبة الأجانب، فإن الإنسان قد يهب الأجنبي إحساناً إليه وإنعاماً عليه، وقد يهب له طعماً في المكافأة والمجازاة عرفاً وعادة، فالموهوب لأجله مندوب إليه شرعاً.

وقد لا يحصل ذلك المقصود من الأجنبي وفوات المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع، لأنه يعدم الرضا والرضا في هذا الباب كما هوشرط للصحة فهو شرط للزوم كما في البيع إذا وجد المشتري في المبيع عيباً لم يلزمه العقد لعدم الرضا عند عدم حصول المقصود وهو السلامة فكذا هذا.

واشترط الحنفية في صحة الرجوع للواهب التراضي أو التقاضي حتى لا يصح الرجوع بدون واحد منهما.

وحجتهم أن الرجوع فسخ العقد بعد تمامه، وفسخ العقد بعد تمامه لا يصح بدون القضاء أو الرضا.

ولم يشترط الحنفية الإفراز في الشائع، لأن الشيوع لا يمنع من الرجوع في الهبة.

ب- أمارات حسن الخاتمة.

قال الإمام حجة الإسلام الغزالي -رحمه الله-:

بيان ما يستحب من أحوال المحتضر عند الموت.

اعلم أن المحبوب عند الموت مو صورة المحتضر هو الهدوء والسكون، ومن لسانه أن يكون ناطقاً بالشهادة، ومن قلبه أن يكون حسن الظن بالله تعالى.

أما الصورة فقد روى عن سلمان الفارسي أنه قال: ارقبوا الميت عند ثلاث: إذا رشح جبينه ودمعت عيناه ويبست شفتاه فهي رحمه من الله قد نزلت به، وإذا غط غطيط المخنوق واحمر لونه وأربدّت شفتاه فهو من عذاب الله قد نزل به.

وأما انطلاق لسانه بكلمة الشهادة فهي علامة الخير، قال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله)، ورواية حذيفة: (فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا).

وقال عثمان: إذا احتضر الميت فلقنوه "لا إله إلا الله" فإنه ما من عبد يختم له بها عند موته إلا كانت زاده في الجنة.

وقال عمر رضي الله عنه: احضروا موتاكم، وذكروهم فإنها يرون مالا ترون ولقنوهم: لا إله إلا الله.

وينبغي للملقن أن لا يلح في التلقين ولكن يتلطف، فربما لا ينطق لسان المريض فيشق عليه ذلك ويؤدي إلى استثقاله التلقين وكراهيته للكلمة ويخشى أن يكون سبب سوء الخاتمة.

وإنما معنى هذه الكلمة أن يموت الرجل وليس في قلبه شيء غير الله، فإذا لم يبق له مطلوب سوى الواحد الحق كان قدومه بالموت على محبوبه غاية النعيم في حقه، وإن كان القلب مشغوفاً بالدنيا ملتفتاً إليها متأسفاً على لذّاتها وكانت الكلمة على رأس اللسان ولم ينطبق القلب على تحقيقها، وقع الأمر في خطر المشيئة، فإن مجرد حركة اللسان قليل الجدوى إلا أن يتفضل الله تعالى بالقبول.

وأما حسن الظن فهو مستحب في هذا الوقت -وقد ذكرنا ذلك في كتاب الرجاء- وقد وردت الأخبار بفضل حسن الظن بالله.

دخل وائلة بن الأسقع على مريض فقال: أخبرني كيف ظنك بالله؟ قال أغرقتني ذنوب لي وأشرفت على هلكة ولكني أرجو رحمة ربي. فكبر وائلة وكبر أهل البيت بتكبيره وقال: الله أكبر، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: (يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء).

ودخل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على شاب وهو يموت فقال: (كيف تجدك)، قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو وآمنه من الذي يخاف).

وقال ثابت البناني: كان شاب به حدة، وكان له أم تعظه كثيراً وتقول له: يا بني إن لك يوماً فاذكر يومك. فلما نزل به أمر الله تعالى أكبّت عليه أمه وجعلت تقول له: يا بني قد كنت أحذرك مصرعك هذا وأقول إن لك يوماً، فقال: يا أمه إن لي رباً كثير المعروف وإني لأرجوا أن لا يعدمني اليوم من بعض معروفه. قال ثابت: فرحمه الله بحسن ظنه بربه.

وقال جابر بن وادعة: كان شاب به رهق فاحتضر، فقالت له أمه: يا بني، توصي بشيء؟ قال: نعم، خاتمي لا تسلبينه فإن فيه ذكر الله تعالى فلعل الله يرحمني. فلما دفن رؤي في المنام فقال: أخبروا أمي أن الكلمة قد نفعتني وأن الله قد غفر لي.

ومرض أعرابي فقيل له: أنك تموت. فقال: أين يُذهَب بي؟ قالوا: إلى الله. قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا يُرى الخير إلا منه.

وقال أبو المعتمر بن سليمان: قال أبي لما حضرته الوفاة: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظنّ به.

وكانوا يستحبون أن يذكر للعبد محاسن عمله عند موته لكي يحسن ظنه بربه.