رقم الفتوى: 446

نص السؤال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه" وقال عليه الصلاة والسلام "صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار" فكيف نوفق بين هذه الأحاديث وبين قوله تعالى"فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون"؟

الجواب :

اعلم أخي المسلم -بصَّرك الله بدينك- أن الأعمار والأرزاق والحوادث كلها مكتوبة منذ الأزل، "ما أصابك ما كان ليخطأك، وما أخطأك ما كان ليصيبك"، قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }لقمان-34.

وإنما هذه الأحاديث، وما جاء مثلها تدل على حلول البركة في الأعمار والأرزاق بحيث يحقق الإنسان في سنة واحدة ما يحققه غيره في عشرات السنين، مثال ذلك الإمام النووي -رحمه الله حيث لم يعش إلا تسعاً وأربعين سنة، ولكنه حقق ما لم يحققه غير في مئات السنين.

قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ }الأعراف-34، والجمع بينهما إما بحمل الزيادة على أنها كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى طاعة الله وعمارة وقته بما ينفعه، ويقربه من مولاه تعالى وقويه ما جاء من أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطى ليلة القدر.

وحاصله أن صلة الرحم سبب للتوفيق لمرضاة المولى وحفظ الأوقات عن الضياع في غير رضا فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت أو بحمله الزيادة في الحديث على حقيقتها وذلك بالنسبة للأجل المعلق المكتوب في اللوح المدفوع للملك مثلاً كتب فيه إن أطاع فلان فعمره كذا وإلا فعمره كذا، والله سبحانه وتعالى عالم بالواقع منهما والأجل المحتوم في الآية على ما في علم الله سبحانه الذي لا يتغير فيه وإلى الإشارة بقوله تعالى: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }الرعد-39، فالحديث فيه ما أشارت إليه أول الآية من الأجل المعلق، وقوله { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } أشار به إلى العلم الإلهي الذي لا تغير فيه البتة ويعبر عنه بالقضاء المبرم وعن الأول بالقضاء المعلق والوجه الأول أليق بلفظ حديث الباب فإن الأثر ما يتبع الشيء فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور.

وقال الطيبي الأول أظهر وإليه يشير كلام صاحب الفائق، قال ويجوز أن يكون المعنى أن الله يبقى أثر واصل الرحم في الدنيا طويلاً فلا يضمحل سريعاً كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ومن هذه المادة قول إبراهيم عليه السلام: { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ }الشعراء-84، وورد في تفسيره وجه ثالث أخرج الطبراني في الصغير بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال: (ذكر عند رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن من وصل رحمه أنسأ له في أجله، فقال: إنه ليس زيادة في عمره، قال تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ }، ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده).

وأخرج في الكبير من حديث أبي مشجعة -بشين معجمة ثك جيم فعين مهملة- الجهيني رفعه: (إن الله لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها وإنما زيادة العمل ذرية صالحة) الحديث، وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفى الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله.

وقال غيره في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعمله ونحو ذلك.