رقم الفتوى: 381

نص السؤال :

هل قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل أم العرش أفضل ؟ وما الأدلة ؟ وسؤال آخر ما هو تفسر الرحمن على العرش أستوى ؟؟وشكرا لكم

الجواب :

أ‌- سئل الإمام الجليل علي بن عقيل الحنبلي-رحمه الله- : أيهما أفضل السماء أم الأرض؟ فأجاب: إن جنس السماء أفضل من جنس الأرض، إلا موضع قبره الشريف –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فإنه أفضل من السموات والأرض، ومن العرش ومن حملة العرش، وممن فوق العرش، لأن هذه الأشياء كلها مخلوقات، وهو أفضل المخلوقات وسيدها –صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فالبقعة التي ضمت جسده الشريف هي أفضل المواضع في السموات والأرض.

ب‌- جاء في السنوسية وشرحها للشيخ عليش –رحمه الله-:-

وما استحال ظاهره نحو{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}طه-5، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}الحديد-4، {الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ}الجاثية-34 ....الخ فإنا نصرفه عن ظاهره اتفاقاً، ثم إن كان له تأويل واحد تعين الحمل عليه، وإلا وجب تفويض تفسيره إلى الله مع التنزيه، وهو مذهب السلف.

قال ابن وهب: كنا عند مالك –رحمه الله- فدخل رجل، فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فأطرق مالك وأخذته الرحضاء، ثم رفع رأسه: الرحمن على العرش استوى، كما وصف نفسه، ولا يقال له: كيف؟ وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء، صاحب بدعة، فأخرجوه، فأخرج.

قال ابن الجوزي الحنبلي –رحمه الله-: وقد حمل قوم من المتأخرين هذه الصفة على مقتضى الحس فقالوا: استوى على العرش بذاته.

وهي زيادة لم تنقل، إنما فهموها من إحساسهم، وهو أن المستوي على الشيء إنما يستوي عليه بذاته.

قلت: وهذا الكلام جهل من قائله، وتشبيه محض، فما عرف هذا ما يجب للخالق، وما يستحيل عليه، فإن وجوده –تعالى- ليس كوجود الأجسام التي لا بد لها من حيز أو مكان.اهـ.

تنبيهات:

الأول: إنما وجب تأويل ما استحال عقلا ظاهره من آيات القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة، لأنا لو كذبنا العقل بظاهر النقل المستحيل لأدى ذلك إلى هدم النقل أيضا، لأن العقل أصل ثبوت النبوات التي يتفرع عنها صحة النقل فيلزم من تكذيب العقل تكذيب النقل.

الثاني: لم يقع في القرآن، ولا في الحديث إخبار بوقوع مستحيل، لأنه كذب.

الثالث: مما له تأويل واحد قوله –سبحانه وتعالى-:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}الحديد-4، وقوله –سبحانه وتعالى-:{إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}المجادلة-7،فإن ظاهر المعية بالذات، وهو محال، فيصرف عنه، وليس له بعد ذلك إلا تأويل واحد صحيح وهي المعية بالعلم والرعاية وهو المراد اتفاقا.

الرابع: مما له تأويلات صحيحة قوله –سبحانه وتعالى-:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}طه-5، فذهب إمام الحرمين إلى تعيين واحد منها، لدفع اللبس والحيرة عن العوام، وذهب جمهور أهل السنة إلى تفويض الأمر فيه إلى الله –سبحانه وتعالى- فإن الاستواء بمعنى الاستقرار المكانى هو الظاهر من الآية وهو محال على الله –سبحانه وتعالى- وبقى له بعد ذلك تأويلات صحيحة منها كون استوى معناه استولى عليه بتصرفه فيه كيف شاء، ومنها كون معناه قصد إلى خلق شيء عليه، ومنها كون على بمعنى الباء واستوى بمعنى كمل أي كمل الخلق بالعرش.

الخامس: الأظهر مذهب الأقدمين، لأن تعيين أحد المحتملات الصحيحة بلا دليل بدعة وتجاسر عظيم، ولعل الإمام عيّن المراد لدليل ظهر له من اللغة أو غيرها، والله –سبحانه وتعالى-أعلم.