رقم الفتوى: 366

نص السؤال :

ما حكم ان تذكر المسلم بما يكره، أو بشيء ليس به؟ وإذا كان هذا الشخص عالم أو طالب علم هل إثمه أكثر من العامي؟ وشكرا

الجواب :

قال -تعالى- :{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}سورة ق-18.

فلذلك يجب على المسلم أن يحاسب نفسه على ما يخرج من لسانه، قال رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- :"من يضمن ما بين لحييه –أي لسانه-، وما بين رجليه –أي فرجه- أضمن له الجنة".

قال الإمام النووي –رحمه الله-:

اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام، إلا كلاماً ظهرت فيه المصلحة. ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجرّ الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.

وأخطر آفات اللسان بعد الشرك وأكثرها الغيبة والبهتان وقد بين المصطفى –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الفرق بينهما، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال:"أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: ذكرك أخاك بما يكره. قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟! قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".

قال الإمام الطيبي –رحمه الله-:-

قوله:"ذكرك أخاك بما يكره" اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس، حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس. وذكرك فيه بما يكره عام، سواء في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو زوجته، أو غلامه، أو خادمه، أو ثوبه، أو مشيه، وحركته، وبشاشته، وعبوسته، وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابتك، أو رمزت وأشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك.

وضابطه أن كلما أفهمت به غيرك نقصان مسلم، فهو غيبة محرمة، ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجاً أو مطأطئاً، أو على غير ذلك من الهيئات مريداً حكاية هيئة من ينقصه بذلك.

وعن ابن عباس رضي الله عنه :الغيبة إدام كلاب الناس. وتشبيههم بالكلاب في التمزيق والتخريق، فهم يمزقون أعراض الناس، كالكلاب على الجيفة، لا يطيب لهم مجلس إلا بذكر عيوب الناس. وفي الحديث:"رأيت ليلة أسري بي رجالاً لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم".

وقد شبه الله –تعالى- المغتابين بآكلي الجيف، قال –تعالى-:{وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا}الحجرات-12، هذا تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه. وفيه مبالغات، منها: الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها: فعل ما هو الغاية في الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها: إسناد الفعل إلى أي أحد لا يحب ذلك، ومنها: أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم مطلق الإنسان، بل جعله أخاً للآكل، ومنها: أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتاً. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها، كذلك فاكره لحم أخيك.

ولما قررهم بأن أحداً منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله:{فَكَرِهْتُمُوهُ} الحجرات-12، أي: وحيث كان الأمر كما ذكر فقد كرهتموه، فكما تحققت كراهتكم له باستقامة العقل فاكرهوا ما هو نظيره باستقامة الدين.

{وَاتَّقُوا اللَّهَ}الحجرات-،12في ترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما صدر منكم منه، فإنكم إن اتقيتم وتبتم تقبل الله توبتكم، وأنعم عليكم بثواب المتقين التائبين، {إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}الحجرات-12، مبالغ في قبول التوبة، وإفاضة الرحمة، حيث جعل التائب كمن لا ذنب له، ولم يخص تائباً دون تائب، بل يعم الجميع، وإن كثرت ذنوبه.

وقيل: غيبة الخلق إنما تكون بالغيبة عن الحق. قاله النسفي. قال بعضهم: والغيبة صاعقة الدين، فمن أراد أن يفرق حسناته يميناً وشمالاً، فليغتب الناس. وقيل: مثل صاحب الغيبة مثل من نصب منجنيقاً فهو يرمي به حسناته يميناً وشمالاً، شرقاً وغرباً. والأحاديث والحكايات في ذم الغيبة كثيرة، نجانا الله منها بحفظه ورعايته. وهل هي من الكبائر أو من الصغائر؟ خلاف، رجح بعض أنها من الصغائر، لعموم البلوى بها، قال بعضهم: هي فاكهة القراء، ومراتع النساء، وبساتين الملوك، ومزبلة المتقين، وإدام كلاب الناس.

قال العلامة السيد ابن عجيبة الحسني –رحمه الله- من نظر الناس بعين الجمع عذرهم فيما يصدر منهم، وحسن الظن فيما لم يصدر منهم، وعظم الجميع، ومن نظرهم بعين الفرق طال خصمه معهم فيما فعلوا، وساء ظنه بهم فيما لم يفعلوا، وصغرهم حيث لم ير منهم ما لا يعجبه، فالسلامة: النظر إليهم بعين الجمع، وإقامة الحقوق عليهم في مقام الفرق، قياماً بالحكمة في عين القدرة. وفي الحديث:"ثلاثة دبت لهذه الأمة: الظن، والطيرة، والحسد، قيل: فما النجاة؟ قال:"إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ" أو كما قال عليه السلام.

قال القشيري: النفس لا تصدق، والقلب لا يكذب، والتمييز بينهما مشكل، ومن بقيت عليه من حظوظه بقية –وإن قلت- فليس له أن يدعي بيان القلب –أي: استفتاءه- بل يتهم نفسه ما دام عليه شيء من نفسه، ويجب أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من نقصان غيره، هذا أمير المؤمنين عمر قال وهو يخطب الناس:"كل الناس أفقه من عمر حتى النساء".

وأقبح الغيبة الاستطالة في أعراض العلماء والدعاة والصالحين، لأنهم حفظة الدين، والموقعون عن رب العالمين. إلا من كان صاحب بدعة أو هوى فيبين ما فيه بقدر الحاجة، ليحذره الناس.

ويجب التأكد مما تقوله، وأن لا تتبع فيه الناس، قال –تعالى-{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}ق-18.

قال حجة الإسلام –عليه رحمة رب الأنام-:

وأخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صيغة أهل الصلاح ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود، ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الغيبة والرياء، وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلينا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام، أو يقول: نعوذ بالله من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منها، وإنما قصده أن يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدعاء.

وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول: ما أحسن أحوال فلان! ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلى بما يبتلي به كلنا وهو قلة الصبر. فيذكر نفسه ومقصوده أن يذم غيره في ضمن ذلك ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين بأن يذم نفسه، فيكون مغتاباً ومرائياً ومزكياً نفسه، فيجمع بين ثلاث فواحش وهو بجهله يظن أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة.

ولذلك يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعبادة من غير علم فإنه يتبعهم ويحيط بمكايده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم. ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول: سبحان الله ما أعجب هذا! حتى يصغى إليه ويعلم ما يقول، فيذكر الله تعالى ويستعمل الاسم آلة في تحقيق خبثه، وهو يمتن على الله عز وجل بذكره جهلاً منه وغروراً، وكذلك يقول: ساءني ما جرى على صديقنا من الاستخفاف به نسأل الله أن يروح نفسه، فيكون كاذباً في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدعاء له. بل لو قصد الدعاء لأخفاه في خلوته عقيب صلاته، ولو كان يغتم به لا اغتم أيضاً بإظهار ما يكرهه. وكذلك يقول: ذلك المسكين قد بلى بآفة عظيمة تاب الله علينا وعليه، فهل في كل ذلك يظهر الدعاء والله مطلع على خبث ضميره وخفى قصده، وهو لجهله لا يدرى أنه قد تعرض لمقت أعظم مما تعرض له الجهال إذا هاجروا.

اعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة ولكن يجمعها أحد عشر سبباً: ثمانية منها تطرد في حق العامة، وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة.

أما الثمانية، فالأول: أن يشفى الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه، فإنه إذا هاج غضبه يشتقي بذكر مساويه فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين وازع، وقد يمتنع تشفى الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقداً ثابتاً فيكون سبباً دائماً لذكر المساوى، فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة.

الثاني: موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهاراً للمساهمة في السراء والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوى.

الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم، أو يشهد عليه بشهادة فيبادر قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته، أو يبتدئ بذكر ما فيه صادقاً ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد ويقول: ما من عادتي الكذب، فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت.

الرابع: أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله، وكان من حقه أن يبرئ نفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه، أو يذكر غيره بأنه كان مشاركاً له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله.

الخامس: إرادة التصنع والمباهاة، وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف. وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم أنه أعلم منه، أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك.

السادس: الحسد وهو أنه ربما يحسد من يثنى الناس عليه ويحبونه ويكرمونه، فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلاً إليه إلا بالفدح فيه، فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن كرامته والثناء عليه لأنه يثقل عليه أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه وإكرامهم له، وهذا هو عين الحسد وهو غير الغضب والحقد، فإن ذلك يستدعي جناية من المغضوب عليه، والحسد قد يكون مع الصديق المحسن والرفيق الموافق.

السابع: اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك، فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة ومنشؤه التكبر والعجب.

الثامن: السخرية والاستهزاء استحقاراً له فإن ذلك قد يجرى في الحضور ويجرى أيضاً في الغيبة ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به.

وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة فهي أغمضها وأدقها، لأنها شرور خبأها الشيطان في معرض الخيرات وفيها خير ولكن شاب الشيطان بها الشر.

الأول: أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين، فيقول ما أعجب ما رأيت من فلان! فإنه قد يكون به صادقاً ويكون تعجبه من المنكر، ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه، فصار به مغتاباً وآثماً من حيث لا يدري ومن ذلك قول الرجل: تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة؟ وكيف يجلس بين يدى فلان وهو جاهل؟.

الثاني: الرحمة وهو أن يغتم بسبب ما يبتلى به فيقول: مسكين فلان قد غمنى أمره وما ابتلى به، فيكون صادقاً في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه فيذكره فيصير به مغتاباً، فيكون غمه ورحمته خيراً، وكذا تعجبه ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدرى، والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه.

الثالث: الغضب لله تعالى فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يظهره على غيره، أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء، فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلاً عن العوام، فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة والغضب إذا كانت لله تعالى، كانت عذراً في ذكر الاسم وهو خطأ.