رقم الفتوى: 3432

نص السؤال :

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمية والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين وبعد تحية طيبة لأستاذنا الدكتور محمد عبد الغفار الشريف الموقر فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: يوجد في بلادنا مشكلة في كل عام في عيد الأضحى تظهر مسألة السن في الأضحية وخاصة في البقر، حيث أنه درجت عادة لدى الناس يشترك 7 أشخاص في أضحية من البقر، وهذا البقر مسمن في إسرائيل وزن العجل منها 700 كغم إلى طن ولكن سنه لا يتجاوز السنة 8 أشهر 9، وهكذا ويفتي البعض الناس بأنه لا يجوز الأ|ضحية بها لكونها لم تتم السنتين، والحق أنها لو عاشت سنتين فإن وزنها والحالة هذه يزيد عن طن ونصف وهي مذهلة والحالة كما ذكرت آنفاً فكيف في الحال الثانية؟، ومن ثم هذا القول يترتب عليه مشكلة أن الأضحية بالضأن والماعز أيضا لا نطبق عليه السن وهو سنة ستة أشهر فما فوق يضحي به الناس والغالب 9 أشهر، مضافاً إليه غلاء الضأن نظراً لقلته في بلادنا نسبياً، وأنا أفتي الناس بأن الأضحية في البقر يجوز والحالة على ما ذكرت، لكن بعض زملائي يصرون على أمر السن تعبدي، وعليه لا يجوز الأضحية بأقل من سنتين في البقر، ويفتي بعض المفتين بناءً عليه. فاحترت في الأمر وأردت ارشادكم يحفظكم الله خاصةً أن مقصود الأضحية التوسعة على العيال بإيجاد اللحم، كونها أيام أكل وشرب، على خلاف العادة، مع أن عادات الناس تغيرت وأصبح اللحم ميسوراً ومستعملاً على مدار الأسبوع والأيام.فهل من باب التيسير نفتى الناس بالجواز ؟ أم أن المسألة لها علاقة بالتعبد، ؟ وأنا لا أرة هذه العلاقة ؟ افيدونا يحفكم الله ويرعاكم. وبانتظار ردكم. د. محمود إرشيد

الجواب :

سن الأضحية

نظرا لأهمية ولجهل كثير من الناس بالشروط الواجب توافرها بالأضحية لإجزائها ، ننقل ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية لتوضيح المسألة ، وذكر آراء الفقهاء وأدلتهم :

شروط صحة الأضحية
للتضحية شرائط تشملها وتشمل كل الذبائح  .

وشرائط تختص بها ، وهي ثلاثة أنواع : نوع يرجع إلى الأضحية ، ونوع يرجع إلى المضحي ، ونوع يرجع إلى وقت التضحية .
النوع الأول : شروط الأضحية في ذاتها :

الشرط الأول : وهو متفق عليه بين المذاهب : أن تكون من الأنعام ، وهي الإبل عرابا كانت أو بخاتي ، والبقرة الأهلية ومنها الجواميس ، والغنم ضأنا كانت أو معزا ، ويجزئ من كل ذلك الذكور والإناث . فمن ضحى بحيوان مأكول غير الأنعام ، سواء أكان من الدواب أم الطيور ، لم تصح تضحيته به ، لقوله تعالى : { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ولأنه لم تنقل التضحية بغير الأنعام عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو ذبح دجاجة أو ديكا بنية التضحية لم يجزئ . ويتعلق بهذا الشرط أن الشاة تجزئ عن واحد ، والبدنة والبقرة كل منهما عن سبعة ، لحديث جابر رضي الله عنه قال : « نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة » ، وهذا مروي عن علي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم ، وبه قال عطاء وطاوس وسالم والحسن وعمرو بن دينار والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأكثر أهل العلم ، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة . وعن ابن عمر رضي الله عنهما رواية أخرى أنه قال : « لا تجزئ نفس واحدة عن سبعة » وقال المالكية : لا يجزئ الاشتراك في اللحم أو الثمن ، لا في الشاة ولا في البدنة ولا في البقرة ، ولكن تجزئ الأضحية الواحدة التي يملكها شخص واحد أن يضحي بها عن نفسه وعن أبويه الفقيرين وأولاده الصغار ، وكذلك يجزئ أن يضحي الإنسان بالأضحية الواحدة التي يملكها وحده ناويا إشراك غيره معه في الثواب ، أو ناويا كونها كلها عن غيره  .

الشرط الثاني : أن تبلغ سن التضحية ، بأن تكون ثنية أو فوق الثنية من الإبل والبقر والمعز ، وجذعة أو فوق الجذعة من الضأن ، فلا تجزئ التضحية بما دون الثنية من غير الضأن ، ولا بما دون الجذعة من الضأن ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « لا تذبحوا إلا مسنة ، إلا أن يعسر عليكم ، فتذبحوا جذعة من الضأن » . والمسنة من كل الأنعام هي الثنية فما فوقها . حكاه النووي عن أهل اللغة . ولقوله صلى الله عليه وسلم : « نعمت الأضحية الجذع من الضأن » . وهذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء ، ولكنهم اختلفوا في تفسير الثنية والجذعة .

 فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الجذع من الضأن ما أتم ستة أشهر ، وقيل : ما أتم ستة أشهر وشيئا . وأيا ما كان فلا بد أن يكون عظيما بحيث لو خلط بالثنايا لاشتبه على الناظرين من بعيد . والثني من الضأن والمعز ابن سنة ، ومن البقر ابن سنتين ، ومن الإبل ابن خمس سنين . وذهب المالكية إلى أن الجذع من الضأن ما بلغ سنة ( قمرية ) ودخل في الثانية ولو مجرد دخول ، وفسروا الثني من المعز بما بلغ سنة ، ودخل في الثانية دخولا بينا ، كمضي شهر بعد السنة ، وفسروا الثني من البقر بما بلغ ثلاث سنين ، ودخل في الرابعة ولو دخولا غير بين ، والثني من الإبل بما بلغ خمسا ودخل في السادسة ولو دخولا غير بين . وذهب الشافعية إلى أن الجذع ما بلغ سنة ، وقالوا : لو أجذع بأن أسقط مقدم أسنانه قبل السنة وبعد تمام ستة أشهر يكفي ، وفسروا الثني من المعز بما بلغ سنتين ، وكذلك البقر .

 الشرط الثالث : سلامتها من العيوب الفاحشة ، وهي العيوب التي من شأنها أن تنقص الشحم أو اللحم إلا ما استثني . وبناء على هذا الشرط لا تجزئ التضحية بما يأتي :

1 - العمياء .
2- العوراء البين عورها ، وهي التي ذهب بصر إحدى عينيها ، وفسرها الحنابلة بأنها التي انخسفت عينها وذهبت ، لأنها عضو مستطاب ، فلو لم تذهب العين أجزأت عندهم ، وإن كان على عينها بياض يمنع الإبصار .
3 - مقطوعة اللسان بالكلية .
4 - ما ذهب من لسانها مقدار كثير . وقال الشافعية : يضر قطع بعض اللسان ولو قليلا .
5 - الجدعاء وهي مقطوعة الأنف .
6 - مقطوعة الأذنين أو إحداهما ، وكذا السكاء وهي : فاقدة الأذنين أو إحداهما خلقة وخالف الحنابلة في السكاء .
7 - ما ذهب من إحدى أذنيها مقدار كثير ، واختلف العلماء في تفسير الكثير ، فذهب الحنفية إلى أنه ما زاد عن الثلث في رواية ، والثلث فأكثر في رواية أخرى ، والنصف أو أكثر ، وهو قول أبي يوسف ، والربع أو أكثر في رواية رابعة . وقال المالكية : لا يضر ذهاب ثلث الأذن أو أقل . وقال الشافعية : يضر ذهاب بعض الأذن مطلقا . وقال الحنابلة : يضر ذهاب أكثر الأذن . والأصل في ذلك كله حديث : « إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضحي بعضباء الأذن » .
8 - العرجاء البين عرجها ، وهي التي لا تقدر أن تمشي برجلها إلى المنسك - أي المذبح - وفسرها المالكية والشافعية بالتي لا تسير بسير صواحبها .
9 - الجذماء وهي : مقطوعة اليد أو الرجل ، وكذا فاقدة إحداهما خلقة .
10 - الجذاء وهي : التي قطعت رءوس ضروعها أو يبست . وقال الشافعية : يضر قطع بعض الضرع ، ولو قليلا . وقال المالكية : إن التي لا تجزئ هي يابسة الضرع جميعه ، فإن أرضعت ببعضه أجزأت .
11 - مقطوعة الألية ، وكذا فاقدتها خلقة ، وخالف الشافعية فقالوا بإجزاء فاقدة الألية خلقة ، بخلاف مقطوعتها .
12 - ما ذهب من أليتها مقدار كثير . وقال الشافعية : يضر ذهاب بعض الألية ولو قليلا .
13- مقطوعة الذنب ، وكذا فاقدته خلقة ، وهي المسماة بالبتراء ، وخالف الحنابلة فيهما فقالوا : إنهما يجزئان . وخالف الشافعية في الثانية دون الأولى .
14 - ما ذهب من ذنبها مقدار كثير . وقال المالكية : لا تجزئ ذاهبة ثلثه فصاعدا . وقال الشافعية : يضر قطع بعضه ولو قليلا . وقال الحنابلة : لا يضر قطع الذنب كلا أو بعضا .
15 - المريضة البين مرضها ، أي التي يظهر مرضها لمن يراها .
16 -العجفاء التي لا تنقي ، وهي المهزولة التي ذهب نقيها ، وهو المخ الذي في داخل العظام ، فإنها لا تجزئ ، لأن تمام الخلقة أمر ظاهر ، فإذا تبين خلافه كان تقصيرا .
17 - مصرمة الأطباء ، وهي التي عولجت حتى انقطع لبنها .
18 - الجلالة ، وهي التي تأكل العذرة ولا تأكل غيرها ، مما لم تستبرأ بأن تحبس أربعين يوما إن كانت من الإبل ، أو عشرين يوما إن كانت من البقر ، أو عشرة إن كانت من الغنم .

 هذه الأمثلة ذكرت في كتب الحنفية . وهناك أمثلة أخرى للأنعام التي لا تجزئ التضحية بها ذكرت في كتب المذاهب الأخرى .
منها ما ذكره المالكية حيث قالوا : لا تجزئ ( البكماء ) وهي فاقدة الصوت ولا ( البخراء ) وهي منتنة رائحة الفم ، ولم يقيدوا ذلك بكونها جلالة ولا بينة البشم ، وهو التخمة . ولا ( الصماء ) وهي التي لا تسمع .
ومنها ما ذكره الشافعية من أن ( الهيماء ) لا تجزئ ، وهي المصابة بالهيام وهو عطش شديد لا ترتوي معه بالماء ، فتهيم في الأرض ولا ترعى . وكذا ( الحامل ) على الأصح ، لأن الحمل يفسد الجوف ويصير اللحم رديئا .


ومنها ما ذكره الحنابلة من عدم إجزاء ( العصماء ) وهي التي انكسر غلاف قرنها ( والخصي المجبوب ) ، وهو ما ذهب أنثياه وذكره معا ، بخلاف ذاهب أحدهما . والأصل الذي دل على اشتراط السلامة من هذه العيوب كلها ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تجزئ من الضحايا أربع : العوراء البين عورها ، والعرجاء البين عرجها ، والمريضة البين مرضها ، والعجفاء التي لا تنقي » . وما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « استشرفوا العين والأذن » أي تأملوا سلامتها عن الآفات ، وما صح عنه عليه الصلاة والسلام « أنه نهى أن يضحى بعضباء الأذن » . وألحق الفقهاء بما في هذه الأحاديث كل ما فيه عيب فاحش .

 أما الأنعام التي تجزئ التضحية بها لأن عيبها ليس بفاحش فهي كالآتي :
1 - الجماء : وتسمى الجلحاء ، وهي التي لا قرن لها خلقة ، ومثلها مكسورة القرن إن لم يظهر عظم دماغها ، لما صح عن علي رضي الله عنه أنه قال لمن سأله عن مكسورة القرن : لا بأس ، أمرنا أن نستشرف العينين والأذنين . وقد اتفقت المذاهب على إجزاء الجماء ، واختلفت في مكسورة القرن ، فقال المالكية : تجزئ ما لم يكن موضع الكسر داميا ، وفسروا الدامي بما لم يحصل الشفاء منه ، وإن لم يظهر فيه دم . وقال الشافعية : تجزئ وإن أدمى موضع الكسر ، ما لم يؤثر ألم الانكسار في اللحم ، فيكون مرضا مانعا من الإجزاء . وقال الحنابلة : لا تجزئ إن كان الذاهب من القرن أكثر من النصف ، وتسمى عضباء القرن .
2 - الحولاء ، وهي التي في عينها حول لم يمنع البصر .
3 - الصمعاء ، وهي الصغيرة إحدى الأذنين أو كليهما . وخالف المالكية فقالوا : لا يجزئ الصمعاء ، وفسروها بالصغيرة الأذنين جدا ، كأنها خلقت بدونهما .
4 - الشرقاء وهي مشقوقة الأذن ، وإن زاد الشق على الثلث . وقال المالكية : لا تجزئ إلا إن كان الشق ثلثا فأقل .
5 - الخرقاء وهي مثقوبة الأذن ، ويشترط في إجزائها ألا يذهب بسبب الخرق مقدار كثير .
6 - المدابرة وهي التي قطع من مؤخر أذنها شيء ولم يفصل ، بل ترك معلقا ، فإن فصل فهي مقطوعة بعض الأذن وقد سبق بيان حكمها .

7 -الهتماء وهي التي لا أسنان لها ، لكن يشترط في إجزائها ألا يمنعها الهتم عن الرعي والاعتلاف ، فإن منعها عنهما لم تجزئ . وهو مذهب الحنفية . وقال المالكية : لا تجزئ مكسور سنين فأكثر أو مقلوعتهما ، إلا إذا كان ذلك لإثغار أو كبر ، أما لهذين الأمرين فتجزئ . وقال الشافعية : تجزئ ذاهبة بعض الأسنان إن لم يؤثر نقصا في الاعتلاف ، ولا ذاهبة جميعها ولا مكسورة جميعها ، وتجزئ المخلوقة بلا أسنان . وقال الحنابلة : لا تجزئ ما ذهب ثناياها من أصلها ، بخلاف ما لو بقي من الثنايا بقية .

8 - الثولاء وهي المجنونة ، ويشترط في إجزائها ألا يمنعها الثول عن الاعتلاف ، فإن منعها منه لم تجزئ ، لأن ذلك يفضي إلى هلاكها . وقال المالكية والشافعية : لا تجزئ الثولاء ، وفسرها المالكية بأنها الدائمة الجنون التي فقدت التمييز بحيث لا تهتدي لما ينفعها ولا تجانب ما يضرها ، وقالوا : إن كان جنونها غير دائم لم يضر . وفسرها الشافعية بأنها التي تستدير في المرعى ، ولا ترى إلا قليلا ، فتهزل .
9 - الجرباء السمينة ، بخلاف المهزولة . وقال الشافعية : لا تجزئ الجرباء مطلقا .
10 - المكوية وهي التي كويت أذنها أو غيرها من الأعضاء .
11 - الموسومة وهي : التي في أذنها سمة .
12 - العاجزة عن الولادة لكبر سنها .
13 - الخصي وإنما أجزأ ، لأن ما ذهب بخصائه يعوض بما يؤدي إليه من كثرة لحمه وشحمه ، وقد صح « وأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين موجوءين » أي مرضوضي الخصيتين ، ويلحق بالمرض الخصاء ، لأن أثرهما واحد . وقد اتفقت على إجزائه المذاهب الأربعة . وحكى صاحب " المغني " الإجزاء عن الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي . وكالخصي الموجوء وهو المرضوض الخصية . وهذا متفق عليه بين المذاهب .
14 - المجبوب وهو ما قطع ذكره وسبق قول الحنابلة أن المجبوب الخصي - وهو : ما ذهب أنثياه وذكره معا - لا يجزئ ، بخلاف ذاهب أحدهما فقط  .
15 - المجزوزة وهي التي جز صوفها .
16 - الساعلة وهي التي تسعل - بضم العين - ويجب تقييد ذلك بما لم يصحبه مرض بين .

  هذه الأمثلة ذكرها الحنفية وجاء في كتب غيرهم أمثلة أخرى لما يجزئ .

ومنها : ما صرح به المالكية من أن المقعدة - وهي العاجزة عن القيام لكثرة الشحم عليها - تجزئ .
منها : ما ذكره الشافعية من أن العشواء تجزئ ، وهي التي تبصر بالنهار دون الليل ، وكذا العمشاء وضعيفة البصر . وكذا التي قطع منها قطعة صغيرة من عضو كبير ، كالتي أخذ الذئب مقدارا قليلا من فخذها ، بخلاف المقدار البين الذي يعد كثيرا بالنسبة لجميع الفخذ . طروء العيب المخل بعد تعيين الأضحية :

 لو اشترى رجل شاة بنية الأضحية فعجفت عنده عجفا بينا لم تجزئه ، إن كان عند الشراء موسرا مقيما ، وكان شراؤه إياها في وقت الوجوب ، لما سبق من أن شراءه للأضحية لا يوجبها ، لأنه تجب عليه أضحية في ذمته بأصل الشرع ، وإنما أقام ما اشتراه مقام ما في الذمة ، فإذا نقص لم يصلح لهذه الإقامة فيبقى ما في ذمته بحاله . فإن كان عند الشراء فقيرا ، أو غنيا مسافرا ، أو غنيا مقيما ، واشتراها قبل وقت النحر ، أجزأته في هذه الصور كلها ، لأنه لم تكن في ذمته أضحية واجبة وقت الشراء ، فكان الشراء بنية التضحية إيجابا لها بمنزلة نذر الأضحية المعينة ، فكان نقصانها كهلاكها يسقط به إيجابها . ويعلم من هذا أن الفقير أو الغني لو أوجب على نفسه بالنذر أضحية غير معينة ، ثم اشترى شاة بنية التضحية ، فتعيبت ، لم تجزئ ، لأن الشراء في هذه الحالة ليس إيجابا ، وإنما هو إقامة لما يشتريه مقام الواجب . ومن شرط الإقامة السلامة ، فإذا لم تجزئ إقامتها مقام الواجب بقي الواجب في ذمته كما كان . وكالشاة التي عجفت بعد الشراء ، كل النعم التي يحدث لها بعد الشراء عيب مخل ، أو تموت ، أو تسرق ، ففيها التفصيل السابق .

 ولو قدم المضحي أضحية ليذبحها ، فاضطربت في المكان الذي يذبحها فيه ، فانكسرت رجلها ، أو انقلبت فأصابتها الشفرة في عينها فاعورت أجزأته ، لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه ، لأن الشاة تضطرب عادة ، فتلحقها العيوب من اضطرابها . هذا مذهب الحنفية . وذهب المالكية إلى أن الأضحية المعينة بالنذر أو بغيره إذا حدث بها عيب مخل لم تجزئ ، وله التصرف فيها بالبيع وغيره ، وعليه التضحية بأخرى إن كانت منذورة ، ويسن له التضحية بأخرى إن لم تكن منذورة . هذا إن تعيبت قبل الإضجاع للذبح ، أما لو تعيبت بعد الإضجاع له فيجزئ ذبحها .

وقال الشافعية : من أوجب أضحية معينة بالنذر أو الجعل ، ثم طرأ عليها - عيب يمنع إجزاءها قبل دخول الوقت الذي تجزئ فيه التضحية ، أو بعد دخوله وقبل تمكنه من الذبح ، ولم يقع منه تفريط ولا اعتداء - لم يلزمه بدلها ، لزوال ملكه عنها من حين الإيجاب ، ويلزمه أن يذبحها في الوقت ويتصدق بها كالأضحية ، وإن لم تكن أضحية . وإذا طرأ العيب باعتدائه أو تفريطه أو تأخره عن الذبح في أول الوقت بلا عذر لزمه ذبحها في الوقت والتصدق بها ، ولزمه أيضا أن يضحي بأخرى لتبرأ ذمته . ولو اشترى شاة وأوجبها بالنذر أو الجعل ، ثم وجد بها عيبا قديما ، فليس له أن يردها على البائع ، لأنه زال ملكه عنها بمجرد الإيجاب ، فيتعين أن يبقيها ، وله أن يأخذ أرش النقص من البائع ، ولا يجب عليه التصدق به ، لأنه ملكه ، وعليه أن يذبحها في الوقت ، ويتصدق بها كلها لشبهها بالأضحية ، وإن لم تكن أضحية ، ويسقط عنه الوجوب بهذا الذبح ، ويسن له أن يردفها بسليمة ، لتحصل له سنة التضحية . ولو زال عيبها قبل الذبح لم تصر أضحية إذ السلامة لم توجد إلا بعد زوال ملكه عنها . ومن عين شاة ليضحي بها من غير إيجاب بنذر ولا جعل ، فطرأ عليها عيب مخل بالإجزاء لم تجزئ التضحية بها ، ولا فرق في طروء العيب بين كونه عند الذبح أو قبله ، فلو أضجع شاة ليضحي بها وهي ، سليمة فاضطربت ، وانكسرت رجلها ، أو عرجت تحت السكين لم تجزئه على الأصح عند الشافعية . ومذهب الحنابلة قريب من مذهب الشافعية ، إلا أنهم يقولون : إن الواجبة لا يجب التصدق بجميعها بل ببعضها ، كما أنهم يقولون بإجزاء التضحية إذا عين شاة صحيحة للتضحية ، ثم حدث بها عيب يمنع الإجزاء .

الشرط الرابع : أن تكون مملوكة للذابح ، أو مأذونا له فيها صراحة أو دلالة ، فإن لم تكن كذلك لم تجزئ التضحية بها عن الذابح ، لأنه ليس مالكا لها ولا نائبا عن مالكها ، لأنه لم يأذن له في ذبحها عنه ، والأصل فيما يعمله الإنسان أن يقع للعامل ، ولا يقع لغيره إلا بإذنه . فلو غصب إنسان شاة ، فضحى بها عن مالكها - من غير إجازته - لم تقع أضحية عنه ، لعدم الإذن منه ، ولو ضحى بها عن نفسه لم تجزئ عنه ، لعدم الملك ، ثم إن أخذها صاحبها مذبوحة ، وضمنه النقصان ، فكذلك لا تجزئ عن واحد منهما . وإن لم يأخذها صاحبها ، وضمنه قيمتها حية ، أجزأت عن الذابح ، لأنه ملكها بالضمان من وقت الغصب ، فصار ذابحا لشاة هي ملكه ، لكنه آثم ، لأن ابتداء فعله وقع محظورا ، فتلزمه التوبة والاستغفار . وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه وقول للمالكية . وقال زفر والشافعية ، وهو أحد قولي المالكية ، وأحد روايتي الحنابلة ، لا تجزئ عنه ، لأن الضمان لا يوجب الملك عندهم .

 ذهب الحنفية إلى أنه لو اشترى إنسان شاة فأضجعها ، وشد قوائمها للتضحية بها ، فجاء إنسان آخر فذبحها بغير إذنه صحت أضحية لمالكها ، لوجود الإذن منه دلالة . وعند الحنابلة إذا عين الأضحية فذبحها غيره بغير إذنه أجزأت عن صاحبها ، ولا ضمان على ذابحها . واشترط المالكية لإجزائها وجود الإذن صراحة أو اعتياده ذلك . ولو اشترى إنسان شاة ليضحي بها ، فلما ذبحها تبين ببينة أنها مستحقة - أي أنها كانت ملك إنسان غير البائع - فحكمها حكم المغصوبة ، وشراؤه إياها بمنزلة العدم ، صرح بذلك المالكية والحنابلة .

ولو أودع رجل رجلا شاة ، فضحى بها عن نفسه ، فاختار صاحبها القيمة فأخذها ، فإن الشاة لا تكون أضحية عن الذابح ، بخلاف المغصوبة والمستحقة عند أبي حنيفة وصاحبيه ، ووجه الفرق أن سبب وجوب الضمان في الوديعة هو الذبح ، فلا يعتبر الذابح مالكا إلا بعد الذبح ، فحين الذبح لم يذبح ما هو مملوك له ، فلم يجزئه أضحية ، وسبب وجوب الضمان في الغصب والاستحقاق هو الأخذ السابق على الذبح ، والضمان يوجب الملكية كما سبق ، فيكون الذابح في حالتي الغصب والاستحقاق ذابحا ما هو مملوك له فيجزئ عنه . وما قيل في الوديعة يقال في العارية والمستأجرة .