رقم الفتوى: 341

نص السؤال :

الإسلام دين المساواة كما نعلم فلماذا كان المسلمون يتخذون من الجواري والعبيد في بيوتهم لخدمتهم ولماذا كانوا يأسرون الأسرى ونساءهم بعد الحروب ويتخذون منهم جواري وعبيد؟ ولماذا أحل نكاح الجواري والسبايا والذي كان بدوره سوف يشجع البشر على استعباد الآخرين؟

الجواب :

هذا الموضوع مما يكثر كلام المستشرقين عنه، ويحاولون من خلاله الطعن بالدين الإسلامي، ولكن ما يهمنا في الموضوع هو أن نعرف حكم الإسلام في حقوق الإنسان، وحكمته في تشريع الرق، وإباحة التسري.

قبل الشروع في موضوع السؤال يجب أن نقرر الحقائق الآتية، أخذاً من النصوص الشرعية، وكلام فقهاء المسلمين:

1 - الأصل في الإنسان الحرية لا الرق:

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }الحجرات-13، وقال رسولنا الأعظم – صلى الله عليه وآله وسلم- : (كلكم لآدم وآدم من تراب).

لذا قال فقهاؤنا جميعهم الأصل في الإنسان الحرية، والرق استثناء.
والحرية حق لله – تعالى– فلا يقدر أحد على إبطاله إلاّ بحكم الشرع، ومن ذلك لا يجوز استرقاق الحر، ولو رضي بذلك.
واتفق الفقهاء على أن اللقيط إذا وجد، ولم يعرف نسبه يكون حراً، وإن احتمل أنه رقيق.

2- احترام آدمية الرقيق، ولذا سمي نبي الإسلام – عليه أفضل الصلاة والسلام – الرقيق أخاً لسيده.

روى البخاري أن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم).

ومنع رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- ضرب الرقيق، ولما رأى صحابياً يضرب غلاماً قال له: (من ضرب غلاماً له حداً لم يأته، أو لطمه، فكفارته أن يعتقه)، بل نهى رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- عن التلفظ بقول : (عبدي أو أَمَتي، كلكم عبيد الله، ولكن ليقل فتاي، وفتاتي)، ونهى الرقيق نفسه على أن يقول: (مولاي وربي ، ولكن ليقل: سيدي).

3-لم يكن الإسلام مبتدعاً لنظام الرق في العالم، بل جاء الإسلام والرق نظام عالمي مقر من قبل جميع الديانات السابقة، السماوية والأرضية، بل إن بعض الديانات – كاليهودية – اعتبرت الاسترقاق عقوبة لبعض الجرائم.

جاء في الموسوعة الإسلامية العامة :-

وفي الحضارات القديمة كان الرق عماد نظام الإنتاج والاستغلال، وفي بعض تلك الحضارات – كالفرعونية المصرية والكسروية الفارسية – كان النظام الطبقي المغلق يحول دون تحرير الأرقاء، مهما توفر لأي منهم الرغبة أو الإمكانات.

وفي الحضارة الرومانية – كان السادة هم الأقلية الرومانية، وكانت الأغلبية في الإمبراطورية برابرة أرقاء، أو في حكم الأرقاء.

وللأرقاء في تلك الحضارات ثورات من أشهرها ثورة " سبارتاكوس " (73-71 ق.م).

وعندما ظهر الإسلام كان التمييز العرقي والطبقي والمظالم الاجتماعية بمثابة منابع وروافد تغذي " نهر الرق " في كل يوم بالمزيد من الأرقاء، وذلك مثل: 

أ-الحرب، بصرف النظر عن حظها من الشرعية والمشروعية، فالأسرى يتحولون إلى أرقاء، والنساء يتحولن إلى سبايا وإماء.
ب-الخطف، يتحول به المخطوفون إلى رقيق.
جـ-ارتكاب الجرائم الخطيرة كالقتل والسرقة والزنا كان يحكم على مرتكبها بالاسترقاق.
د- العجز عن سداد الديون، كان يحول الفقراء المدينين إلى أرقاء لدى الأغنياء الدائنين.
هـ - سلطان الوالد على أولاده، كان يبيح له أن يبيع هؤلاء الأولاد، فينتقلون من الحرية " إلى العبودية ".
و- سلطان الإنسان على نفسه، كان يبيح له بيع حريته، فيتحول إلى رقيق.
ز- النسل المولود من كل هؤلاء الأرقاء يصبح رقيقاً حتى ولو كان أبوه حراً.

ومع كثرة واتساع هذه الروافد التي تمد نهر الرقيق – في كل وقت – بالمزيد من الأرقاء، كانت أبواب العتق والحرية إما موصدة تماماً، أو ضيقة عسيرة على الولوج منها.

4-ساوى الإسلام بين العبد والحر في كل الحقوق الدينية، وفي أغلب الحقوق المدنية، وكان التمييز فقط، في أغلب حالاته، للتخفيف عن الأرقاء مراعاة للاستضعاف والقيود التي يفرضها الاسترقاق عليهم.

فالمساواة تامة في التكاليف الدينية، وفي الحساب والجزاء، وشهادة الرقيق معتبرة عند الحنابلة، وله حق الملكية في ماله الخاص، والدماء متكافئة في القصاص، وإعانته على شراء حريته، بنظام المكاتبة والتدبير. مرغوب فيها دينيا: { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ }النور-33.

وأمام هذا الواقع، اتخذ الإسلام منذ ظهوره طريق تحرير الأرقاء، وإلغاء نظام العبودية بنهج متميز، فهو لم يتجاهل الواقع، وأيضاً لم يعترف به على النحو الذي يبقيه ويكرسه.

لقد بدأ الإسلام بإغلاق أغلب الروافد التي كانت تمد نهر الرقيق بالمزيد منهم إلا أسرى الحرب المشروعة، والنسل إذا كان أبواه من الأرقاء، وحتى أسرى الحرب المشروعة، فتح أمامهم باب العتق والحرية: { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }محمد-4، فعندما تضع الحرب أوزارها، يتم تحرير الأسرى، إما بالمن عليهم بالحرية وإما بمبادلتهم بالأسرى المسلمين لدى الأعداء .

ومع إغلاق روافد الاسترقاق ومصادره – التفت الإسلام إلى " كتلة " واقع الأرقاء، فسعى إلى تصفيتها بالتحرير، فحبب إلى المسلمين عتق الأرقاء تطوعاً لتحرير الإنسان من عذاب النار يوم القيامة.

كما جعل عتق الأرقاء كفارة للكثير من الذنوب والخطايا.

وجعل للدولة مدخلاً في تحرير الأرقاء عندما جعله مصرفاً من المصارف الثمانية لفريضة الزكاة . يقول سبحانه: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة-6.

وبعد أن كان الرق من أكبر مصادر الاستغلال والثراء لملاك العبيد، حوله الإسلام – بمنظومة القيم التي كادت أن تسوى بين العبد وسيده – إلى ما يشبه العبء المالي على ملاك الرقيق، فمطلوب من مالك الرقيق أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق، بل المطلوب منه – أيضاً – إلغاء كلمة "العبد" و"الأمة" واستبدالها بكلمة "الفتى" و"الفتاة".

بل مضى الإسلام إلى ما هو أبعد من تحرير الرقيق، فلم يتركهم في عالم الحرية الجديد دون عصبية وشوكة وانتماء، وإنما سعى إلى إدماجهم في القبائل والعشائر والعصبيات التي كانوا فيها أرقاء، فأكسبهم عزتها وشرفها ومكانتها ومنعتها وما لها من إمكانات ، وبذلك أقام نسيجا اجتماعيا جديدا عن طريق "الولاء" الذي قال عنه رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم-: "الولاء لحمة كلحمة النسب" رواه الدارمي.

حتى لقد غدا أرقاء الأمس "سادة" في أقوامهم ، بعد أن كانوا "عبيدا" فيهم .

وقد قال عمر بن الخطاب – وهو من هو – عن بلال الحبشي الذي اشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه: سيدنا أعتق سيدنا! كما تمنى عمر بن الخطاب أن يكون سالم مولى أبي حذيفة حياً فيختاره في منصب الخلافة، فالمولى الذي نشأ رقيقا قد حرره الإسلام، فكان إماماً في الصلاة وأهلاً لخلافة المسلمين.

ورغم انتكاس الواقع التاريخي للحضارة الإسلامية بعد عصر الفتوحات وسيطرة العسكر المماليك على الدولة الإسلامية، إلا أن حال الأرقاء في الحضارة الإسلامية قد ظلت أخف قيوداً وأكثر عدلا بما لا يقارن من نظائرها خارج الحضارة الإسلامية.

وعندما سعت أوربا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء نظام الرق وتحريم تجارته، لم تكن دوافعها – في أغلبها – روحية ولا قيمية ولا إنسانية، وإنما كانت في الأساس، دوافع مادية، لأن نظامها الرأسمالي قد رأى في تحرير الرقيق سبيلا لجعلهم عمالا أكثر مهارة, وأكثر قدرة على النهوض باحتياجات العمل الفني في الصناعات التي أقامها النظام الرأسمالي.

ولقد كان القرن الذي دعت فيه أوربا لتحرير الرقيق هو القرن الذي استعمرت فيه العالم فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقا جديداً، لا تزال الإنسانية تعاني منه حتى الآن.

أما التسري، وهو معاشرة السيد لأمته معاشرة الأزواج دون عقد نكاح، فلم ينفرد بإباحته الإسلام ، بل هو مشروع في سائر الديانات الأرضية والسماوية السابقة.

وحكمة التسري أن الرغبة في نكاح الأمة تكاد تكون في حيز العدم، لاشتغالها بخدمة السيد المالك إذا دعاها لذلك، ولكون أولادها يكونون مثلها في الرق، وهذا لا يوافق مصلحة الزوج في الغالب.

وأما التسري فبخلاف ذلك.

والحكمة في ذلك، أنهن إذا لم يوطأن نزعن إلى ارتكاب الفاحشة في الغالب، فإذا نكحهن السيد يكثر النسل الذي يحصل بالمضاجعة، وفي كثرة النسل عمار الكون، وهناك حكمة أخرى وهي إذا ولدت الأمة من سيدها تصير أم ولد ونالت نعمة الحرية وعتقت على السيد بعد وفاته لتصير حرة كابنها.

فمن أجل ذلك ومن أجل هذه الاعتبارات وهذه الحكم وهذا السر العجيب لم يحظر الشارع الحكيم علينا الإكثار من التسري، وهذه مزية اختص الله بها الأمة المحمدية – والله أعلم -.