رقم الفتوى: 317

نص السؤال :

أرجو من فضيلتكم تبيان رأيكم في الفرق بين: طلاق المدهوش , والساهي , والغافل, والمخطيء.

الجواب :

يثبت حق الطلاق للزوج مجرد عقد الزواج الصحيح، وأما إذا كان الزواج فاسداً فالطلاق لا يلحقه، فلو أن رجلاً تزوج امرأة ولا يعلم أنها أخته رضاعاً مثلاً، ثم تبين له ذلك، فأوقع الطلاق عليها، لا يقع طلاقه على الزوجة، وإنما سبيله الفسخ، لأن الطلاق لا يقع إلا إذا كان عقد الزواج صحيحاً، وكان الطلاق من الزوج، أو من رسوله، أو من وكيله، أو من القاضي، بناء على طلب الزوجة.

وليس كل زوج يقع طلاقه، وإنما يقع طلاق الزوج إذا كان بالغاً، عاقلاً، سواء أكان محسناً التصرف في أمواله أم غير محسن له، وهو السفيه، وسواء أكان المطلق صحيحاً أم مريضاً، لوجود العقل عند كل منهما، أما إذا وصل المرض به إلى اختلال في العقل، فلا يقع طلاقه.

وعلى كل، فلا بد لصحة إيقاعه شرعاً أن يكون صادراً من البالغ، العاقل، وأن يكون مختاراً في صدوره عنه،  وأن واعياً لما يصدر عنه.

الغضب: حالة من الاضطراب العصبي، وعدم التوازن الفكري، تحل بالإنسان إذا عدا عليه أحد بالكلام أو غيره، والغضب لا أثر له في صحة تصرفات الإنسان القولية، ومنها الطلاق، إلا أن يصل الغضب إلى درجة الدهش، فإن وصل إليها لم يقع طلاقه، لأنه يصبح كالمغمى عليه.

والمدهوش: هو من غلب الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته بسبب غضب اعتراه.

وقسم ابن القيم الغضب أقساماً ثلاثة نقلها عنه ابن عابدين وعلق عليها فقال: طلاق الغضبان ثلاثة أقسام:

أحدها: أن يحصل له مبادئ الغضب بحيث لا يتغير عقله، ويعلم ما يقول ويقصده، وهذا لا إشكال فيه.
الثاني: أن يبلغ النهاية، فلا يعلم ما يقول ولا يريده، فهذا لا ريب أنه لا ينفذ شيء من أقواله.
الثالث: من توسط بين المرتبتين بحيث لم يصر كالمجنون، فهذا محل النظر والأدلة تدل على عدم نفوذ أقواله.

ثم قال ابن عابدين: والذي يظهر لي أنه كلا من المدهوش والغضبان لا يلزم فيه أن يكون بحيث لا يعلم ما يقول، بل يكتفى فيه بغلبه الهذيان واختلاط الجد بالهزل كما هو المفتى به في السكران.. ثم قال: فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه: إناطة الحكم بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن إرادته، فما دام في حال غلبة الخلل في الأقوال والأفعال لا تعتبر أقواله وإن كان يعلمها ويريدها، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح كما لا تعتبر من الصبي العاقل.

والساهي: هو الذي إذا ذكِّر لا يتذكر، لغيبة الشيء عن باله.

والناسي: هو الذي إذا ذُكِّر يتذكر.

ويقع طلاق الساهي والناسي عند أبي حنيفة، وصورة ذلك: أن يعلق طلاق امرأته على عدم محادثة فلان مثلاً، وحادثه ناسياً، أو ساهياً هذا التعليق، فإن الطلاق يقع في القضاء، وينتفي عنه العقاب الأخروي، بمعنى أنه يصح أن يعيش مع أهله، لأنه لا نية له، ولا عبث ولا هزل.

وأما إذا وصل الأمر للقضاء، فإنه يقع، لأن القاضي يبني أحكامه على الظاهر، والله عنده علم السرائر.

هذا واعتماد القاضي على الظاهر في مثل هذه الأحوال، وعدم تصديق المطلق في ادعاء ما يخالفه مبني على تعذر الوصول إلى معرفة تلك الأوصاف الباطنية، فلو قامت عليها القرائن القاطعة، أو الأدلة المقنعة، فلا وجه لمنع القاضي من تصديقه.

ومذهب الجمهور عدم وقوع طلاق الساهي، والناسي، ولا يعتد بقولهم إلاّ عند قرينة تدل عليه.

ويجري العمل في الكويت على رأي الإمام مالك في عدم وقوع طلاق المخطئ، والساهي، والناسي إذا قامت قرينة تدل على ذلك.

والغفلة بمعنى السهو، فهي سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ، وعدم اليقظة، أو فقد الشعور بما ينبغي أن يشعر به، ولذا حكمها حكم السهو.

والمخطئ هنا: من لم يقصد التلفظ بالطلاق أصلاً، وإنما قصد لفظاً آخر، فسبق لسانه إلى الطلاق من غير قصد، كأن يريد أن يقول لزوجته: يا جميلة، فإذا به يقول لها خطأ: يا طالق، وهو غير الهازل، لأن الهازل قاصد للفظ الطلاق، إلا أنه غير قاصد للفرقة به.

وقد اختلف الفقهاء في حكم طلاق المخطئ، فذهب الجمهور إلى عدم وقوع طلاقه قضاء وديانة، هذا إذا ثبت خطؤه بقرائن الأحوال، فإذا لم يثبت خطؤه وقع الطلاق قضاء، ولم يقع ديانة، وذلك لحديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، ولا يقاس حاله على الهازل، لأن الهازل ثبت وقوع طلاقه على خلاف القياس بالحديث الشريف المتقدم، وما كان كذلك فلا يقاس غيره عليه.

وذهب الحنفية إلى أن طلاق المخطئ واقع قضاء، ثبت خطأه أم لا، ولا يقع ديانة، وذلك لخطورة محل الطلاق، وهو المرأة، ولأن في عدم إيقاع طلاقه فتح باب الادعاء بذلك بغير حق للتخلص من وقوع الطلاق وهو خطير، وذريعة يجب سدها.

والمختار مذهب الجمهور، والله أعلم.