رقم الفتوى: 282

نص السؤال :

نسمع عن الخُلع، بأن تخلع الزوجة زوجها، فكيف تكون شروطها؟ وهل يجوز أن تكون العصمة بيد الزوجة؟

الجواب :

(أ)
الخلع في الشرع: هو إزالة ملك النكاح بأخذ المال.

يكره الخلع مع الصحة بلا حاجة بأن يكونا مستقيمين متعاشرين بالمعروف، لحديث ثوبان مرفوعاً: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة).

ويحرم ولا يصح إن عضلها الزوج، أي ضارها بالضرب والتضييق عليها، أو منعها حقها من نحو قسم، ونفقة ظلماً لتفتدي منه، لقوله تعالى: {ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}النساء-19، ويصح ولا يحرم إن عضلها بحق كما لو زنت أو نشزت أو تركت فرضاً من صلاة أو صوم ونحوهما، ويباح أيضاً إذا كرهت الزوجة خلق زوجها أو نقص دينه، أو خافت إثماً بترك حقه، إلا مع محبته لها فيسن صبرها وعدم افتدائها.

الحكمة من تشريع الخلع:
الخلع لذاته يبغضه الشرع الشريف، كما يبغض الطلاق لذاته، وإنما أجازه الشارع الحكيم منعاً للضرر عند إقامة حدود الله تعالى.

وبيان ذلك أن المرأة إذا حصل بينها وبين الرجل شقاق ونزاع أفضى بهما إلى أن رغب كل منهما في فراق الآخر، أو أن المرأة لم تطق معاشرة الرجل، ورغبت في فراقه، ولم تجد خلاصاً من ذلك إلا الخلع افتدت نفسها بشيء من المال، حتى تخلص من عناء الزوجية إذا رضي الرجل بذلك.

ووجه الحكمة فيه منع للضرر، وذلك أنه إذا استحكم الشقاق، وعظم النفور بين المرأة والرجل، وخيف ألا يراعيا شروط الزوجية، فالخلع بالكيفية التي قررها الشارع الحكيم فيه حسم للنزاع وإقامة للحدود، ولذا قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا}البقرة-229.

حقيقة الخلع:
لا خلاف بين الفقهاء في أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق أو نوى به الطلاق فهو طلاق، وإنما الخلاف فيما إذا وقع بغير لفظ الطلاق أو لم ينو به صريح الطلاق أو كنايته، فجمهور العلماء يرون أنه يقع طلاقاً، وذهب الشافعي في القديم والحنابلة في المعتمد -عندهم- وبعض السلف إلى أنه فسخ.

ومن رأى أنه طلاق يقع -عنده- طلاقاً بائناً بينونة صغرى، لأنه لو كان رجعياً لما أفاد ما أرادته المرأة من الخلاص، ليتمكن الزوج من الرجوع، واختار بعض السلف أنه طلاق رجعي.

(ب)
يطلق على عقد النكاح مجازاً عصمة لقوله تعالى : {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}الممتحنة-10، وتنحل عصمة النكاح بفسخ أو طلاق.

أما الفسخ فيكون لأسباب كالردة والعيوب المجيزة للفسخ ونحوها، وأما الطلاق فالأصل أن الزوج هو الذي يملك حل عقدة النكاح لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- : (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق)، لكن الزوجة -استثناء من هذا الأصل- قد تملك حل عقدة النكاح وذلك للأسباب الآتية:

1) تفويض الزوج زوجته في التطليق:
اتفق الفقهاء على جواز تفويض الطلاق للزوجة لما روى جابر بن عبدالله قال: دخل أبوبكر يستأذن على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فوجد الناس جلوساً ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- جالساً حوله نساؤه واجما ساكتا، قال: فقال والله لأقولن شيئاً أضحك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة)، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما ليس عنده!! فقلن: والله لا نسأل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهم شهراً أو تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه الآيات: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}الأحزاب-28-29، قال: فبدأ بعائشة فقال: (يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك)، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها هذه الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي!! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً).

2) اشتراط الزوجة أن تكون العصمة بيدها:
أجاز كثير من العلماء للمرأة أن تشترط في بدأ النكاح أن أمرها بيدها متى أرادت الطلاق، إذا وافق الزوج على ذلك، فإنه يصح العقد ويكون أمرها بيدها -على خلاف بين العلماء في فروع المسائل-، والله أعلم.