تطوير المناهج التعليمية في كليات الدراسات الشرعية

الدكتور محمد بن عبدالغفار الشريف


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله القائل في محكم تنزيله " وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً " والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله القائل : " إنما العلم بالتعلم " ، وعلى آله مصابيح الظلام ، وصحبه مرشدي الأنام .

وبعد ،،،

فقد أكثر الإسلام من الحث على طلب العلم ، بل إن أول آية نزلت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها الحث على طلب العلم ، قال الله تعالى "
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ".

قال ابن القيم رحمه الله :
إن أول سورة أنزلها الله في كتابه سورة العلق ، فذكر فيها ما منّ به على الإنسان من تعليمه ما لم يعلم ، وتفضيله الإنسان بما علمه ، وذلك يدل على شرف التعليم
والعلم .
فلو كان بعد نعمة الإيجاد أعلى من العلم لكانت أجدر بالذكر . وقد قيل في وجه التناسب بين الآية المذكورة في صدر السورة ، المشتمل بعضها على خلق الإنسان من علق ، وبعضها على تعليم ما لم يعلم ، أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان وهي كونه علقة ، وهي مستقذرة ، وآخر حاله وهي صيرورته عالما . وذلك كمال الرفعة والجلالة .

قال عز قائل " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ " . قال أبو حيان رحمه الله المراد بالعلم - هنا - ما أدى إلى معرفة الله ونجاة العبد من سخطه .
وقال سبحانه وتعالى
" وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً " .

قال القشيري رحمه الله : فإذا كان أعلم البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلك وسيد العرب والعجم ، ومن شهد له الحق بخصائص العلم حين قال " وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ  " ، يقال له
" وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً " علم أن ما يخص به الحق أولياءه من لطائف العلوم لا حصر له .

وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "  من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع ، أجنحتها لطالب العلم رضى لطالب العلم ، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ، ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ، ولا درهما وإنما ، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

قال ابن جماعة رحمه الله تعقيبا على هذا الحديث الشريف : وحسبك بهذه الدرجة مجدا وفخرا ، وبهذه الرتبة شرفا وذكرا . فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة ، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة .

وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أنه قال :تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة ، ومدراسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة . لأنه معالم الحلال والحرام ، وسالك بطالبه سبيل الجنة ، وهو أنيس في الوحشة ، وصاحب في الوحدة ، وسلاح على الأعداء ، وزين للأخلاء . يرفع الله به أقواما يجعلهم في الخير أئمة  ، يقتدى بهم ، ترمق أعمالهم ، وتقتبس آثارهم ، وترغب الملائكة في خلتهم .... لأن العلم حياة القلوب من الجهل ، ونور الأبصار من العمى ، وقوة الأبدان من الضعف ، ينزل الله حامله منازل الأبرار ، ويمنحه مجالسة الأخيار في الدنيا والآخرة .
 وبالعلم يطاع الله ويعبد ، وبالعلم يعرف الله ويوحد ، وبالعلم توصل الأرحام ، وبه يعرف الحلال والحرام ، والعلم إمام العمل والعقل يتبعه ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء .

لذا يجب على المسلمين - بوجه العموم - وعلى الدعاة منهم - بوجه الخصوص - أن يحرصوا على طلب العلم ، ليرفعوا بذلك عن أنفسهم حجب الجهل ، وليدعوا إلى الله على بصيرة . فالدعوة بحاجة إلى جنود مسلحين بحد أدنى من العلم الشرعي ، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " نضر الله إمرئا سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها ..... الحديث " .

ويتمثل ذلك في معرفة حكم ما يتعلق بعباداتهم وأنكحتهم ومعاملاتهم . كما تحتاج الدعوة إلى علماء شرعيين يرجع الناس إليهم في النوازل ، قال الله تعالى " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِينفرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيِتَفَقَّهُوا فِي الدّيِنِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِليْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحذَرُونَ  "

قال القشيري رحمه الله : الذين يتفقهون في الدين هم الداعون إلى الله . وإنما يفهم الخلق عن الله من كان يفهم عن الله .

* أحكام العلم الشرعي :-

أ- حكم التعلم :
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به ، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، إن المال مقسوم مضمون لكم ، قد قسمه عادل بينكم ، وضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله ، وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه .

واعلموا أن تعلم العلم تعتريه الأحكام الآتية :
قد يكون التعلم فرض عين ، وهو تعلم ما لابد للمسلم ، لإقامة دينه وإخلاص عمله لله تعالى أو معاشرة عباده . فقد فرض على كل مكلف ومكلفة - بعد تعلمه ما تصح به عقيدته من أصول الدين - تعلم ما تصح به العبادات والمعاملات من الوضوء والغسل والصلاة والصوم ، وأحكام الزكاة ، والحج لمن وجب عليه ، إخلاص النية في العبادات لله . ويجب تعلم أحكام البيوع على التجار ، ليحترزوا عن الشبهات والمكروهات في سائر المعاملات .

وكذا أهل الحرف ، وكل من اشتغل بشيء يفرض عليه تعلم حكمه ليمتنع عن الحرام فيه .
وقد يكون التعلم فرض كفاية ، وهو تعلم كل علم لا يستغنى عنه في قيام أمور الدنيا كالطب ، والحساب ، والنحو ، واللغة ، والكلام ، والقراءات ، وأسانيد الحديث ، ونحو ذلك .

ومن التعلم ما هو مندوب ، ومنه التبحر في الفقه بالتوسع فيه ، والاطلاع على غوامضه ، وكذا غيره من العلوم الشرعية .

* أخلاق العلماء والمتعلمين :-
من أهم ما يجب على العلماء مراعاته تصحيح القصد ، وإخلاص النية ، وتطهير القلب من دنس الأغراض الدنيوية ، وتكميل النفس في قوتها العملية ، وتزكيتها باجتناب الرذائل ، واقتناء الفضائل الخلقية ، وقهر القوتين الشهوانية والغضبية .

عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم  :
صنف يطلبه للجهل والمراء وصنف يطلبه للاستطاله والختل وصنف يطلبه للفقه والعقل .

1- فصاحب الجهل والمراء مؤذِ ممار ،  متعرض للمقال في أندية الرجال ، بتذاكر العلم وصفة الحلم ، قد تسربل بالخشوع  وتخلى من الورع ، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه .

2- وصاحب الاستطاله والختل ذو خب وملق ، يستطيل على مثله من أشباهه ، ويتواضع للأغنياء من دونه ، فهو لحلوائهم هاضم ، ولدينهم حاطم ، فأعمى الله على هذا خبره ، وقطع من آثار العلماء أثره.

3- وصاحب الفقه والعقل ذو حزن وسهر ، قد تحنك في بُرْنسه ، وقام الليل في حندسه ، يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً ، مقبلاً على شأنه ، عارفاً بأهل زمانه ، مستوحشاً من أوثق إخوانه ، فشد الله من هذا أركانه ، وأعطاه يوم القيامة أمانه .

والعالم كلما ازداد علما ازداد بصيرة بنقصه وجهله ، لذا هو دائم الطلب ، يبحث عن الحكمة في كل مكان وزمان ومن كل إنسان . فعن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " منهومان لا يشبعان طالب الدنيا وطالب علم " .
فمن اقتصر من الدنيا على ما أحل الله سلم ، ومن تناولها من غير حلها هلك ، إلا أن يتوب ويراجع . ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعمله نجا ، ومن أراد به الدنيا فهي حظه .

وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " الحكمة ضالة المؤمن ، أنى وجدها فهو أحق بها " .
ولذا سعى المسلمون إلى العلم في مشارق الأرض ومغاربها ، من الصين والهند ، إلى اليونان والغرب ، ثم عملوا على نشره بين الناس بعد تهذيبه وتنقيحه وتطويره  .

وقد يكون التعلم حراما ، ومن ذلك تعلم  الشعوذة وضرب الرمل والسحر وكذا الكهانة والعرافة ,
وقد يكون التعلم مكروها ، ومنه تعلم أشعار الغزل مما فيه وصف النساء المعينات .
وقد يكون التعلم مباحا ، ومنه الأشعار التي ليس فيها ما ينكر من استخفاف بأحد المسلمين أو ذكر عوراتهم أو نحو ذلك .

ب- حكم التعليم :
قال الإمام النووي رحمه الله : تعليم الطالبين فرض كفاية ، فإن لم يكن هناك من يصلح إلا واحد تعين عليه . وإن كان جماعة يصلحون ، فطلب من أحدهم فامتنع فهل يأثم ؟ يجري في ذلك وجهان . والأصح : لا يأثم .

هذا ويلزم تعليم العلم اللازم تعليمه ، كاستعلام كافر يريد الإسلام عن الإسلام ، أو استعلام حديث عهد بالإسلام عن صلاة حضر وقتها ، وكالمستفتي في الحلال والحرام فإنه يلزم في هذه الأمور الإجابة ، ومن امتنع كان آثما .

وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها .

قال ابن الحاج رحمه الله : يبنغي للعالم ، أو يتعين عليه إذا رأى الناس قد أعرضوا عن العلم أن يعرض نفسه عليهم ، لتعليمهم وإرشادهم - وإن كانوا معرضين - .

* منهج التعليم الشرعي :
من المعلوم تربويا أن نجاح أي منهاج يتوقف على مقدار ما يراعي هذا المنهاج معتقدات الشعب ، وتجربته التربوية ، والتوفيق مع عاداته وتقاليده ، لذلك فإن اقتباس التربية الغربية بدون ربط كاف لهذه التربية بالقواعد التربوية القومية ، التي تشمل دين الشعب ولغته وتاريخه ، والفنون والآداب المحلية ، قد أوجد انشطارا وثنائية في الكيان الاجتماعي والفكري للشعب .

إن نظم التعليم الغربية تكون في الغالب مبنية على فلسفات ذات صفة ثنائية أو انشطارية ، لأنها فلسفات تفصل الدين عن الدولة والروح عن الجسد ، والفرد عن الجماعة . بخلاف الإسلام الذي لا يفصل الدين عن الدولة ، ولا الدين عن العلم ، ولا العلم عن الأخلاق . فالدولة والعلم والأخلاق والعمل يجب أن تتفاعل كلها ، وتتحد في قوانين طبيعية وأخلاقية ذات مصدر إلهي .

ولا يشك المسلم لحظة واحدة أن المنهاج الرباني الذي جاء به القرآن أفضل المناهج التربوية على الإطلاق . فأهداف التعليم في المنهاج الإسلامي تهدف إلى تنشئة الإنسان الصالح الذي يعبد الله حق عبادته ، ويعمر الأرض وفق مبادىء العقيدة الإسلامية . والإنسان الصالح إنسان قادر على مواجهة الأخطار التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون ، وهو في الوقت ذاته يسعى لكسب عيشه .

والتربية التي تسعى إلى تربية الإنسان الصالح العابد لربه لا تذيب ذاتيته ، بل تعمل على تنميتها في شتى المجالات . وإذا كان المنهاج الشامل الحديث يهتم بالجوانب الجسمية والعقلية من النفس البشرية فإن المنهاج الإسلامي يهتم بالجانب الروحي إضافة إلى اهتمامه بالجسم والعقل .

وإذا انتقلنا من الأهداف إلى المحتوى فإننا نلاحظ أن القرآن الكريم قد حث على دراسة الكون ودراسة الإنسان . وقد طور المسلمون الذين فهموا القرآن الكريم طريقة التجريب ، فكانت مناهجهم تضم المقررات العلمية جنبا إلى جنب مع العلوم الشرعية ، ونقرأ في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله حرصه على دراسة الطب ولومه للفقهاء الذين أقبلوا على دراسة الفقه مع أن المجتمع لا يحتاج إلى تلك الأعداد الكبيرة منهم ، ويرى أنه كان من الأفضل لو أنهم تخصصوا في المجالات الأخرى التي يحتاج إليها المجتمع المسلم .
يقول الإمام الغزالي رحمه الله في حديثه عن أهمية العلوم الطبيعية :
لقد عظمت على الدين جناية من ظن أن الإسلام ينصر بإنكار هذه العلوم ، وليس في الشرع تعرض لهذه العلوم بالنفي والإثبات ، ولا في هذه العلوم تعرض للأمور الدينية .

* تطوير التعليم الشرعي :
التطور سنة كونية ، وتنطبق هذه السنة على كل شيء في الحياة ، ومن ذلك التعليم الشرعي ، فقد بدأ التعليم الشرعي في المساجد ، ثم انتقل إلى المدارس والأربطة ، إلى أن تطور به الحال إلى الكليات والجامعات .

ويعد نماء الثروة الفكرية على مر القرون في شتى العلوم الإسلامية الشرعية انعكاسا وترجمة حقيقية للتطور ، نظرا لحاجة الناس وملاحظة حالهم . وقد كان العلماء في كل عصر من العصور يلبون حاجة المجتمع ، ويعدون تلاميذهم لذلك مع ثبات المقاصد وتحرك في الوسائل . وكتب الفتاوى والنوازل شاهدة على أن العلماء في الزمن الماضي كان إعدادهم يؤهلهم لذلك ، أعني أنهم لم يكونوا بمعزل عما حولهم في الجانب الفكري والعملي ، وهذا هو أساس التطوير .

وكما هو معلوم أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ونتيجة للحال التي عليها المسلمون آنذاك في مجالات التعليم ، وما رافقه من حملات نشطة من غير المسلمين ، لأن المناخ كان مهيئا لهم ، استطاع هؤلاء أن يضعوا أنظمة تعليمية أبعدت النشء عن العلم الشرعي ، غير بقية باقية من أنظمة التعليم التي ظلت محافظة على القديم قناعة أو خوفا من ضياع ذلك القديم . وهذا شيء لا يعترض عليه ، كما هو الحال في بعض المعاهد الشرعية في بعض الجامعات العريقة .
ومع ذلك لم تسلم هذه المعاهد الباقية من محاولات تقوية مناهجها حينا ، وإضعافها حينا آخر ، حتى وصلت إلى ما عليه الآن .

ويجب أن تسعى المدارس الشرعية جاهدة لتطوير مناهجها وطرق التدريس فيها ، لتعد طلابها للتعامل مع العصر الذي يعيشونه دون إخلال بأسس العلم الشرعي ، وأن تعمل على إعداد الباحثين المؤهلين لمواصلة البحث في العلوم الشرعية ليس للاستزادة من العلم فحسب ، وإنما من أجل الوقوف في وجه التحديات والتيارات الفكرية المعاصرة في شتى المجالات الحياتية .

إن طرح قضية التطوير تستدعي الإجابة عن هذه الأسئلة :
- ماذا نريد ؟ ولماذا .
- وكيف نحقق هذا المراد ؟

المراد هو : إيجاد فئة من المسلمين المؤهلين في مجال العلوم الشرعية والدراسات الإسلامية بمستوى يمكنهم من القيام بإرشاد الناس في أمور دينهم ، والإجابة عن استفتاءاتهم ، وكتابة أبحاث جيدة في الأمور المستجدة ، نظرا للحاجة الدائمة لهذه الأمور في المجتمعات المسلمة . ولا يمكن ذلك إلا عن طريق تطوير المعاهد والكليات الشرعية لكي تتمكن من القيام بالدور العلمي والاجتماعي المنوط بها ، والمساهمة بفعالية في تنمية المجتمع والنهوض به . والظاهر أن تحقيق هذا المراد يحتاج إلى وقفة تقويمية لأسس العملية التعليمية ، بما يحقق الملائمة بين الدارس وعصره وما يحيط به .

وإذا كان أمر التقويم والتطوير من أهم قضايا المعاهد الشرعية فينبغي التناسب والتناسق في الرؤية حتى يتحقق التدرج وعدم الانفصام أو التكرار ، وصولا إلى مستوى علمي رائد في العملية التعليمية . ويمكن تطبيق رؤية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية لتطوير أسس العملية التعليمية ( المناهج ، والكتاب ، والمدرس ، والطالب ، والأنشظة المساندة ) على المعاهد الشرعية في العالم الإسلامي .

أولا : المناهج :
لا شك أن تطوير المناهج عامل أساسي في مقومات العملية التعليمية ، فهو ليس عملا اختياريا أو احتماليا ، ولكنه عمل حتمي ، لا يمكن للمعاهد الشرعية أن تحقق أهدافها إلا بإنجازه على أفضل وجه ممكن . ولا شك أن الحاجة ملحة لإعادة النظر في مناهج المعاهد والكليات الشرعية ، وتطويرها خاصة في زماننا الراهن الذي باتت المشكلات تعصف بعالمنا الإسلامي ، وفي زمن صارت العولمة شعاره ، والعلمانية دثاره . ولا أريد الخوض في دواعي تطوير المعاهد الشرعية ، لأن الواقع يغني عن الخوض في هذا المضمار ، ويكفي للتدليل على ذلك عجز المناهج الحالية ، وعدم قدرتها على الإسهام الفعال في توجيه التغيير الاجتماعي ، أو المساهمة في حل مشكلات المجتمع ، أو ملاحقة التطور في الفكر التربوي وتطبيقاته ، لذا نقترح لتحقيق هذه الأهداف ما يلي :

أ - ملائمة هذه المناهج لتدرج مراحل النمو الفكري والعقلي لطلاب المعاهد الشرعية .

ب - مراعاة التكامل في المادة العلمية بين مقررات التعليم العام ومقررات الكليات الشرعية ، سعيا لتحقيق الوحدة الفكرية بين أبناء المجتمع .

ج - مواكبة هذه المناهج لروح العصر ومتطلباته ، والعمل على استيعاب المتغيرات ومعالجة المشكلات وملاحقة علوم العصر .

د -  إضافة دراسات علمية تطبيقية مساندة اختيارية إلى جانب دراسة الطالب في الكلية ، لتفتح أمامه المجال لدراسة أكاديمية في هذه العلوم ، كي تتاح للخريج خيارات متنوعة ، مثل أقرانه في نظامي التعليم العام والمقررات ، فيزول بذلك الانفصام المفتعل بين رغبة الطالب بتعلم دينه والتخصص بالعلوم الشرعية ، وبين تأمين مستقبله الاجتماعي ، وتحقيق أمنه الوظيفي ، إذ أن إدخال الدراسات المساندة من شأنه أن يزيل الصراع الذي يعيشه الطالب بين الحفاظ على هويته وتأمين مستقبله . ولنا في سلفنا أسوة حسنة ، فالكثير منهم إلى جانب تخصصه الشرعي ، كان متخصصا في علوم أخرى كالطب والهندسة وغيرهما ، من هؤلاء : الغزالي ، ابن رشد ، الرازي ، ابن النفيس ، القرافي ، وغيرهم .

هـ - تضمين هذه المناهج الدراسية ما يطرح من أفكار ونظرات في المجالات الحياتية ، ومواكبة الخطط التنموية المطلوبة للمجتمع .

و - العناية بطرق التفكير ، وحل المشكلات ، والتنسيق والتكامل الرأسي والأفقي بين الخبرات .

ز - التركيز على المهارات العملية ، وتوسيع دور المكتبات ، والمعامل ، والمختبرات ، والورش ، والرحلات في تنفيذ أهداف المناهج . كل ذلك دون الإخلال بالمتطلبات الأساسية لإعداد طالب العلم الشرعي من علوم شرعية ، وعلوم مساندة .

ح - اتباع الطرق العلمية في تقويم المناهج التعليمية ، والاستفادة من نتائجه في تطوير تلك المناهج ، لأن عملية تطوير المناهج لا ينبغي أن تتم دون ضبط علمي ، ومنهجية سليمة ، إذ أن غياب هذين المحورين من شأنه أن يخضع عملية التطوير للأهواء الشخصية .

ثانيا : الكتاب الدراسي وطرق الدراسة البحثية والنقاشية والوسائل التعليمية :
الكل يعلم بأن الكتاب الدراسي هو لغة التخاطب المفهمة والمحققة للغرض في العملية التعليمية ، لذا ينبغي أن يتسم هذا الكتاب بما يلي :

أ - الوضوح والموضوعية والشمول ، المناسبة لحال المتلقي بما يحقق الغرض .

ب - التناسق الفكري والعلمي في لغة التخاطب ، مما يستدعي معه أن يكون الكتاب مؤلفا تأليفا جماعيا ، من قبل لجنة مختصة ذات خبرة ، تشكل لهذا الغرض .

ج - أن يوفر الكتاب للطالب فرصة البحث والنقاش ، لتنمية قدراته على الصياغة والتحليل الفكري ، عن طريق المسائل والتمرينات ، وعن طريق المسائل العملية .

د - الاهتمام بالشكل العام للكتاب ، حيث تعرض المادة العلمية بطريقة مشوقة ، تحبب الطالب بالمادة ، بواسطة استخدام الصور والألوان ما أمكن .

هـ - إدخال التقنيات الحديثة والوسائل التعليمية عن طريق :
     1-  استحداث مختبرات لغوية لتعلم النطق الصحيح .
     2- استحداث مختبرات للكمبيوتر لتدريس :
       أ- تجويد القرآن .
      ب- تخريج الأحاديث .
       ج- المواريث .
       د- فقه الزكاة التطبيقي .
     3- إدخال شبكة الإنترنت في مكتبات المعاهد والكليات الشرعية ، لسهولة الاتصال بالمكتبات العالمية ، لمتابعة آخر المستجدات العلمية .
      4- استحداث قسم خاص بالوثائق والمخطوطات .
      5- تخصيص قاعات لطرق التدريب ووسائله .
      6- الاستفادة من الإذاعة والتلفزيون في عملية التثقيف الشرعي ، والتعلم عن بعد .

ثالثا : الأستاذ :
الكل يعلم أن الأستاذ هو حلقة الوصل بين المنهج والطالب ، لذا ينبغي العناية بالأستاذ وتدريبه ، والعمل على ما يحقق ذاته وتطوير خبرته ، وذلك بالوسائل الآتية :

1- إدخال المدرس في دورات تدريبية في مهارات التدريس وطرقه ، التي من شأنها تنمية مهاراته ، والارتقاء بأساليب تدريس العلوم الشرعية ، وتطوير وسائله ، والخروج به من الأطر التقليدية والأساليب القديمة ، إذ أن المقارن لمستوى أداء مدرس التعليم العام والمقررات مع مدرس المعاهد الدينية يلحظ أن مناهج التعليم العام والمقررات تخضع لتطوير مستمر ، يواكبه تنمية في قدرات المدرس التعليمية ، في حين أن قدرات مدرس التعليم في المعاهد الدينية لا تخضع إلى أية عملية تطوير - في الغالب - .

2- تطوير المستوى الثقافي للأستاذ بحيث يلم بمستجدات العصر ، علاوة على إلمامه بالعلوم الشرعية .

3- تنويع المواد الدراسية للأستاذ ، حتى لا ينسى معلوماته الشرعية .

4- متابعة أبحاث الأستاذ في جميع مراحلة الوظيفية ، وعدم إهمال هذا الجانب ، ليكون متابعا لمستجدات تخصصه .

5- التنسيق بين المعاهد الشرعية ومخرجات التعليم العالي في تحديد متطلبات المعاهد الشرعية من خريجين ، مراعين معايير معينة ، واعتبارات خاصة تحتاجها المعاهد الشرعية ، بخلاف المعايير والاعتبارات الخاصة بمخرجات التعليم العالي في نظامي التعليم العام والمقررات .

رابعا : الطالب :
ليس يخفى على أحد كيف تغيرت النظرة لطالب العلم الشرعي من الحسن إلى ما يقابله عن قرينه طالب العلوم الأخرى ، وهذا التغيير له أسبابه التي يجب أن يعمل على إزالتها ، ويكون ذلك من خلال المنهج وطرق التدريس والمدرس الكفؤ الذي يدرس هذا الطالب .

ويستدعي - أيضا - إعادة النظر في اختيار الطالب المناسب ، وذلك من خلال إجراء اختبار القدرات للطالب المتقدم للمدراس الشرعية ، وذلك لتنظيم عميلة القبول للأكفاء من الطلاب ، فيقع الاختيار على الطلبة المتميزين والنابهين ، إذ أن الناظر إلى مستوى المنتسبين للتعليم الشرعي في المعاهد الدينية يجد أن المستوى العلمي للغالبية منهم متدن ، أو أن طموحاتهم محدودة مما يؤثر سلبا على انخفاض مستواهم التحصيلي بخلاف المنتسبين للتعليم العام . ومن باب الاهتمام بنوعية الطلبة المنتسبين للمعاهد الشرعية نقترح :

أ- إتاحة الفرصة لطلبة السنة النهائية للإسهام في اتخاذ القرارات الخاصة بالمناهج الدراسية ، والمشاركة في تخطيطها وتقويمها وتطويرها ، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق قسائم استطلاع الرأي ، أو غيرها من الطرق .

ب- استحداث استبيانات الاختبارات والمقاييس التي تكون أساسا للتوجيه التعليمي للطلاب ، وإرشادهم في مسيرتهم الدراسية ، وتكون أساسا لتوحيد مستويات التحصيل في كل مراحل التعليم .

وينبغي اتباع مثل هذا التوجه في عملية تطيور التعليم الشرعي في المعاهد حتى تتناسق وتتناسب المنهجية العلمية الشرعية بين المعاهد والدراسة الأكاديمية في الكليات الشرعية وغيرها .

أما الروافد المساعدة للتعليم الأكاديمي فهي ما يلي :

1- إحياء الحلقات العلمية في المساجد ، وخصوصا المساجد الملحقة بالكليات والجامعات الشرعية .

2- استخدم الإذاعة والتلفزيون والإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة كوسائل تعليمية مساندة ، أو ما يسمى في المصطلح الحديث " التعلم عن بعد " .

3- وضع البرامج التدريبية لخريجي الكلية التي تؤهلهم لأداء واجباتهم الوظيفية .

إننا إذا حققنا هذه الخطوات نكون قد خطونا خطوة أولى في الاتجاه الصحيح للنهوض بالتعليم الشرعي واختيار مدخلات تعليمية عالية الكفاءة التحصيلية ، وبناء مخرجات تعليمية سليمة ، أساسها المنهج القويم ، ودعائمها الأساتذة الأكفاء ، وسيلتها الكتاب المتميز ، وثمرتها الطلة النجباء . ولن يأتي هذا كله دون تحديد هوية التعليم الشرعي ، ورسم معالم رسالته التعليمية ، وتحديد مخرجاته التعليمية المطلوبة منه .

وبهذه الطريقة العلمية العملية نغلق أوسع الأبواب في وجه المتطرفين .

وكلما ازداد الرجل علما ازداد تواضعا وحلما على الجهلة والمتعلمين . كان سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه إذا رأى طلبة العلم هش لهم وبش ، وقال : مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلينا .
وعن جعفر الصادق رضي الله عنه  قال : اطلبوا العلم ، وتزينوا معه بالحلم ، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ، وتواضعوا لمن طلبتم منه العلم ، ولا تكونوا علماء جبارين ، فيذهب باطلكم بحقكم .

ومن أهم صفات العلماء الدعوة إلى الله على بصيرة وبحكمة . قال الله تعالى "
قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " . وقال عز من قائل " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ، أي الدعوة إلى حوار الحضارات ، لا إلى التصادم معها .

جاء رجل إلى جعفر الصادق رضي الله عنه فقال : ما العلم ؟ قال : الإنصات ، قال : ثم مه ؟ قال : الاستماع ، قال : ثم مه ؟ قال : الحفظ ، قال : ثم مه ؟ قال : العمل به ، قال : ثم مه ؟ قال : نشره .

* ضبط أمور الفتوى وتنظيمها :
الفتوى توقيع عن الله تبارك وتعالى ، قال محمد بن المنكدر رحمه الله : إن العالم بين الله وبين خلقه ، فلينظر كيف يدخل بينهم ؟ .

قال ابن الصلاح رحمه الله : ولما ذكرناه هاب الفتيا من هابها من أكابر العلماء العاملين ، وأفاضل السالفين والخالفين ، وكان أحدهم لا تمنعه شهرته بالأمانة واضطلاعه بمعرفة المعضلات في اعتقاد من يسأله من العامة من أن يدفع بالجواب ، أو يقول : لا أدري ، أو يؤخر الجواب إلى حين يدري . فروينا عن عبدالرحمن بن أبي ليلى أنه قال : أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا ، حتى ترجع إلى الأول .

وفي رواية : ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه ، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا .

وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون .
والإفتاء بغير علم حرام ، لأنه يتضمن الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويتضمن إضلال الناس ، وهو من الكبائر ، قال الله تعالى
{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }

قال ابن القيم رحمه الله :
فرتب المحرمات أربع مراتب ، وبدأ بأسهلها وهي الفواحش ، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم ، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك به سبحانه ، ثم ربع ما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا عليم ، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه .

وقال تعالى
{ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } * { مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }

قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله :
وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفر ويخرج من الملة . ولا ريب أن تعمد الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض .

قال الخطيب البغدادي رحمه الله :
ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين ، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها ، ومن لم يكن من أهلها منعه منها ، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها وأوعده بالعقوبة إن لم ينته عنها . وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قوما يعينونهم ، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم .

والطريق للإمام إلى معرفة حال من يريد نصبه للفتوى أن يسأل عنه أهل العلم في وقته ، والمشهورين من فقهاء عصره ، ويعول على ما يخبرونه من أمره .

وقال ابن القيم رحمه الله :
من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم - أيضا - .

قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله :
ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية ، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب ، وليس له علم بالطريق ، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة ، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطبب الناس ، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم . وإذ تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى ، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين ؟!

وكان شيخنا ( ابن تيمية ) رحمه الله شديد الإنكار على هؤلاء ، فسمعته يقول : قال لي بعض هؤلاء : أجعلت محتسبا على الفتوى ؟ فقلت له : يكون على الخبازين والطباخين محتسب ، ولا يكون على الفتوى محتسب ! .

ومن أجل ضبط هذا المنصب الخطير ذكر علماؤنا صفات المفتي ، ودققوا فيها ، حتى لا يقتحم هذا الميدان من ليس أهلا له .

قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية ابنه صالح :
ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن ، عالما بالأسانيد الصحيحة ، عالما بالسنن - أي سنن الصحابة والسلف الصالح - ، وإنما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها .

وفي رواية ابنه عبدالله قال :
إذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، واختلاف الصحابة والتابعين فلا يجوز له أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضي به ، ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به ، فيكون على أمر صحيح .

وقال الشافعي رحمه الله :
لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله ، إلا رجلا عالما بكتاب الله بناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، وتأوليه وتنزيله ، ومكيه ومدنيه ، وما أريد به ، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبالناسخ والمنسوخ ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن ، ويكون بصيرا بالشعر ، وما يحتاج إليه من السنة والقرآن . ويستعمل مع هذا الإنصاف ، ويكون بعد ذلك مشرفا على اختلاف أهل الأمصار ، وتكون له قريحة - أي ملكة - بعد هذا . فإن كان كذلك فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام ، وإن لم يكن هكذا فليس له أن يفتي .

وروى مثل هذا عن أحمد رحمه الله :
وليس هذا تعقيدا للدين كما يزعم البعض من لا يروق له الأمر ، لأنه لا يفسح له المجال للتخبيط في علم الشريعة . فأنا أسأل : كم يلزم الطبيب ليعالج مريضا من مرض يسير ، وكم يلزمه ليجري عملية سهلة ، وكم يلزمه حتى يشرف على العلميات ، ويدرب الأطباء ؟! إن كان هذا في طبيب الأبدان فكيف في طبيب الأرواح والأديان ؟!

* الفتوى الجماعية :
من وسائل ضبط الفتوى وصيانتها عن عبث العابثين إنشاء الدولة لدور الفتوى ولجانها ، وجعل الأمر فيها شورى والفتوى جماعية . وما يدعو إلى مثل هذا أمور منها :

1- اتسام مشكلات العصر بالتعقيد ، لكثرة المستجدات ، وتداخل العقود ، وظهور أنواع جديدة من الشركات المالية ، والمعاملات المعاصرة ، والاكتشافات العلمية ،والاختراعات الحديثة ، التي تحتاج إلى بيان حكم الله فيها .

2- عدم توفر شروط الإفتاء في معظم المشتغلين بالعلوم الشرعية ، بسبب ضعف التعليم الشرعي ، وانشغال طلبة العلم بتوفير أسباب الرزق . وقد قال الشافعي رحمه الله قديما : لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة .

3- تعدد الآراء الفردية وتضاربها في المسائل المستحدثة ، مما أوقع أكثر الناس في حيرة من أمرهم .

4- تكلم غير المتخصصين بالإفتاء ، وتصدرهم لإرشاد الناس .

5- في الفتوى الجماعية  تبادل للرأي ، واستبصار بأراء أهل الاختصاص ، وترو في الحكم .

والإفتاء الجماعي سنة قديمة ، درج عليها سلفنا الصالح رضي الله عنهم ، قال الزهري رحمه الله : كان مجلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه مغتصا من العلماء والقراء - كهولا وشبانا - وربما استشارهم ، فكان يقول : لا تمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه ، فإن الرأي ليس في حداثة السن ، ولا على قدمه ، ولكنه أمر يضعه الله حيث شاء .

والحمدلله أولا وآخرا ، والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .