بحث: إخراج زكاة التجارة من أعيان عروض التجارة

الدكتور/ محمد عبد الغفار الشريف

الحمد لله ولي المتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

1- فرض الله تعالى للفقراء حقا في أموال الأغنياء، هي الزكاة، فالزكاة حق معلوم في مال مخصوص، بشروط مخصوصة، هو نماء وبركة للمال، قال تعالى (يمحق الله الربا، ويربي الصدقات، وقال عز من قائل(مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم) .
ومن الأموال التي تجب الزكاة فيها عروض التجارة في قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول، روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة، والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي. وحكي عن مالك وداود أنه لا زكاة فيها 
.
والعروض جمع عرض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه، من النبات والحيوان والعقار وسائر المال. فمن ملك عرضا للتجارة فحال عليه حول وهو نصاب قومه في آخر الحول، فما بلغ أخرج زكاته، وهو ربع عشر قيمته ، ولا نعلم بين أهل العلم خلافا في اعتبار الحق، وقد دل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، إذا ثبت هذا فإن الزكاة تجب فيه في كل حول. وبها قال الثوري والشافعي واسحق وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وقال مالك لا يزكيه إلا لحول واحد إلا أن يكون مديرا لأن الحول الثاني لم يكن المال عينا في أحد طرفيه، فلم تجب فيه الزكاة كالحول الأول إذا لم يكن في أوله عينا 
.

2- واختلفوا هل الزكاة في عروض التجارة واجبة في قيمتها أو في أعيانها؟
فمذهب الجمهور على أنها واجبة في قيمتها، وذهب أبو حنيفة وأصحاب الرأي وبعض الشافعية، وفقهاء آخرون إلى أنها واجبة في عينها
.
وعلى هذا اختلفوا مم يخرج التاجر زكاة عروض التجارة؟
قال ابن هبيرة في الإفصاح ( 1/209):
هل الزكاة في عروض التجارة واجبة في قيمتها أو في أعيانها؟
فقال أبو حنيفة: يجب في عينها: ولكن يعتبر القيمة، فإذا بلغت نصابا فإن شاء أخرج ربع عشرها من جنسها، وإن شاء أخرج ربع عشر قيمتها، وقال مالك وأحمد : الزكاة واجبة في قيمتها لا في أعيانها، ويخرج من القيمة. وقال الشافعي: الوجوب في القيمة (قولا واحدا) وهل يخرج منها أو من قيمتها: على قولين 
.
وهذا كلام مجمل والمسألة فيها تفصيل نبينه فيما يلي:
أ - قال الكاساني في البدائع ( 2/21 ):
وأما صفة الواجب في أموال التجارة، فالواجب فيها ربع عشر العين، وهو النصاب في قول أصحابنا، وقال بعض مشايخنا هذا قول أبي يوسف ومحمد، وأما على قول أبي حنيفة فالواجب فيها أحد شيئين، إما العين أو القيمة، فالمالك بالخيار عند حولان الحول إن شاء أخرج ربع عشر العين، وإن شاء أخرج ربع عشر القيمة. وبنوا على بعض مسائل الجامع فيمن كانت لها مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم، فحال عليها الحول فلم يؤد زكاتها حتى تغير سعرها إلى النقصان، حتى صارت قيمتها مائة درهم، أو إلى الزيادة، حتى صارت قيمتها أربعمائة درهم، أن على قول أبي حنيفة إن أدى من عينها خمسة أقفزة في الزيادة والنقصان جميعا، لأنه تبين أنه الواجب من الأصل.
فإن أدى القيمة يؤدي خمسة دراهم في الزيادة والنقصان جميعا، لأنه تبين أنها هي الواجبة يوم الحول.
عند أبي يوسف ومحمد إن أدى من عينها يؤدي خمس أقفزة في الزيادة والنقصان جميعا، كما قال أبو حنيفة، وإن أدى من القيمة يؤدي في النقصان درهمين ونصفا، وفي الزيادة عشرة دراهم، لأن الواجب الأصلي عندهما هو ربع عشر العين، وإنما له ولاية النقل إلى القيمة يوم  الأداء، فيعتبر قيمتها يوم الأداء.
والصحيح أن هذا مذهب جميع أصحابنا، لأن المذهب عندهم أنه إذا هلك النصاب بعد الحول تسقط الزكاة سواء كان من السوائم أو من أموال التجارة، ولو كان الواجب أحدهما غير معين عند أبي حنيفة لتعينت القيمة عند هلاك العين، على ما هو الأصل في التخيير بين شيئين إذا هلك أحدهما أنه يتعين الآخر، وكذا لو وهب النصاب من الفقير ولم تحضره النية أصلا سقطت عنه الزكاة، ولو لم يكن الواجب في النصاب عينا لما سقطت. كما إذا وهب منه غير النصاب، وكذا إذا باع نصاب الزكاة من السوائم والساعي حاضر، إن شاء أخذ من المشتري وإن شاء أخذ من البائع، ولولا أن الواجب ربع عشر العين لما ملك الأخذ من غير المشتري، فدل أن مذهب جميع أصحابنا هذا، وهو أن الواجب ربع عشر العين، إلا عند أبي حنيفة الواجب عند الحول ربع عشر العين من حيث أنه مال لا من حيث أنه عين، وعندهما الواجب ربع عشر العين من حيث الصورة والمعنى جميعا، لكن لمن عليه حق النقل من العين إلى القيمة وقت الأداء، ومسائل الجامع مبنية على هذا الأصل.
ب - وأما بالنسبة لمذهب الشافعي فقد ذكر النووي ما يلي 
:
لا خلاف إن قدر زكاة التجارة ربع العشر كالنقد، ومن أن يخرج؟
فيه ثلاث أقوال.
المشهور الجديد: يخرج من القيمة. ولا يجوز أن يخرج من عين العرض.
والثاني : يجب الإخراج من العين، ولا يجوز من القيمة.
والثالث : يتخير بينهما.
فلو اشترى بمائتي درهم قفيز حنطة، أو بمائة درهم وقلنا: يعتبر النصاب آخر الحول فقط، وحال الحول وهي تساوي مائتي درهم، فعلى المشهور: عليه خمسة دراهم، وعلى الثاني: خمسة أقفزة، وعلى الثالث يتخير بينهما.

3- دليل من قال أن الزكاة واجبة في عين عروض التجارة وهو:

قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "خذ من الذهب الذهب ومن الفضة الفضة ومن الإبل الإبل .. الحديث" ، وكملة من تبعيض فيقتضي أن يكون الواجب بعض النصاب، وقوله صلى الله عليه وسلم "في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي أربعين شاة شاة"  جعل الواجب مظروفا في النصاب لأن في للظرف، ولأن الزكاة عرف وجوبها عن طريق اليسر وطيبة النفس بأدائها، ولهذا اختص وجوبها بالمال النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية .
أما دليل الفريق الثاني فهو أن النصاب معتبر بالقيمة فكانت الزكاة منها، كالعين في سائر الأموال.
قال ابن قدامة: ولا نسلم أن الزكاة تجب في المال، وإنما وجبت في قيمته
.
ورد هذا الاستدلال بأن هذا خطأ في التأويل، لأنه قد وردت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أنه قد يجب الحق في المال ثم يحول إلى غيره مما يكون عطاؤه أيسر على معطيه من الأصل.
ومن ذلك كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ باليمن في الجزية: "إن على كل حالم دينارا أو عدله من المعافر"
. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العروض مكان العين.
ثم كتب إلى أهل نجران أن عليهم ألفي حلة في كل عام، أو عدلها من الأوراق 
فأخذ العين مكان العرض.
وكان عمر يأخذ الإبل من الجزية. وإنما أصلها الذهب والورق.
وأخذ على الإبر والمسال والحبال من الجزية.
وقد روى معاذ في الصدقة نفسها، أنه أخذ مكانها العروض. وذلك قوله "ائتوني بخميس أو لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة".
وقد روي عن ابن مسعود أن امرأته قالت له "إن لي طوقا فيه عشرون دينارا. قال أدي عنها خمسة دراهم".
قال أبو عبيد: فكل هذه الأشياء أخذت فيها حقوق من غير المال الذي وجبت فيه تلك الحقوق. فلم يدعهم ذلك إلى إسقاط الزكاة، لأنه حق لازم، لا يزيله شيء. ولكنهم قدروا ذلك المال بغيره، إذا كان أيسر على من يؤخذ منه.
فكذلك أموال التجارة، إنما كان الأصل فيها أن تؤخذ الزكاة منها أنفسها فكان في ذلك عليهم ضرر من القطع والتبعيض. فكذلك ترخصوا في القيمة.
ولو أن رجلا وجبت عليه زكاة في تجارته فقوم متاعه، فبلغت زكاته بقيمة ثوب نام أو دابة أو مملوك، فأخرجه بعينه فجعله زكاة ماله، كان عندنا محسنا مؤديا للزكاة. وإن كان أخف عليه أن يجعل ذلك قيمة من الذهب والورق كان ذلك له: فعلى هذا أموال التجارة عندنا. وعلي أجمع المسلمون : أن الزكاة فرض واجب فيها
.
4- والقول المعتدل في ذلك ما قاله أبو عبيد رحمه الله وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله واختاره ابن تيمية رحمه الله تعالى.
قال في الفتاوي (25/79) وقد سئل عن تاجر، هل يجوز أن يخرج من زكاته الواجبة عليه، صنفا يحتاج إليه؟
فأجاب: الحمد لله، إذا أعطاه دراهم أجزا بلا ريب .
وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقا؟ أو لا يجوز مطلقا؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة، أو للمصلحة الراجحة؟
على ثلاثة أقوال من مذهب أحمد وغيره... وهذا القول أعدل الأقوال .
فإن كان آخذ الزكاة يريد أن يشتري بها كسوة فاشترى رب المال له بها كسوة، وأعطاه فقد أحسن إليه. وأما إذا قوم هو الثياب التي عنده وأعطاه. فقد يقومها بأكثر من السعر ، وقد يأخذ الثياب من لا يحتاج إليها، بل يبيعها فيغرم أجرة المنادي، وربما خسرت فيكون في ذلك ضرر على الفقراء.
والأصناف التي يتجر فيها يجوز أن يخرج عنها جميعا دراهم بالقيمة. فإن لم يكن عنده دراهم فأعطى ثمنها بالقيمة، فالأظهر أنه يجوز. لأنه واسى الفقراء، فأعطاهم من جنس ماله.
ويراعى في ذلك بالدرجة الأولى مصلحة الفقير ثم مصلحة صاحب المال، كما مر معنا من الأدلة التي أوردها أبو عبيد، وتبعه عليها ابن زنجويه (انظر فقرة 3)، ولم يراع في ذلك جانب الدولة، لأن من واجب الدولة أن توفر لكل جنس من أموال الزكاة الحرز المناسب لحفظه فيه، لأنه يجب في الزكاة الإبل والبقر وبعض الزروع وغيرها، فإن لم توفر الدولة لهذه الأصناف الحروز المناسبة تلفت وضاع حق الفقير.
وننقل هنا كلاما نفيسا لشيخ الإسلام يبين فيه أي المصالح تراعى في إخراج القيمة أو العين.
سئل رحمه الله عمن أخرج القيمة في الزكاة، فانه كثيرا ما يكون أنفع للفقير: هل هو جائز؟ أم لا؟
فأجاب: وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين.
والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة، ولا مصلحة راجحة ممنوع منه. ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين أو عشرين درهما، ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا باس به: مثل أن يبيع ثمر بستانه، أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة إذا كان قد ساوى الفقراء بنفسه. وق نص أحمد على جواز ذلك.
ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل ، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة، لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي إن أخذها أنفع للفقراء. كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميس أو لبيس أسهل عليكم ، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار".
وهذا قد قيل أنه قاله في الزكاة، وقيل: في الجزية
.

5- كيفية إخراج العروض عن العروض؟
قال الكاساني 
: وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم، فلا شيء فيها مالم تبلغ قيمتها مائتي درهم أو عشرين مثقالا من ذهب، فتجب فيها الزكاة. وهذا قول عامة العلماء .

واختلفوا في صفة تقويمها، فقال أبو حنيفة وأحمد: يقومها بما هو أحظ للمساكين من عين أو ورق ولا يعتبر ما اشتريت به. وقال الشافعي يقومها بالثمن الذي اشتراها به، وإن كان اشتراها بعرض قومها بنقد البلد .
وأما مقدار الواجب من هذا النصاب فما هو مقدار الواجب من نصاب الذهب والفضة، وهو ربع العشر، لأن نصاب مال التجارة مقدر بقيمته من الذهب والفضة، وهو ربع العشر ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هاتوا ربع عشور أموالكم" من غير فصل.
وأما صفة الواجب في أموال التجارة، فالواجب فيها ربع عشر العين، وهو النصاب في قول من أوجب الزكاة عينها 
.
فمثلا من كانت عنده 40 ثلاجة تبلغ قيمتها النصاب، وجب عليه إخراج ثلاجة منها.

6- وهل يجوز له إخراج جنس آخر عنها:
مما مر معنا من كلام أبي عبيد ومن وافقه (فقرة 3)، وكلام ابن تيمية (فقرة 4)، إنه يجوز إخراج جنس عن جنس آخر، كأقمشة مثلا عن الثلاجة كما في المثال السابق ولكن بشرط تحقق المصلحة أو دفع المضرة. فكما مر في حديث معاذ: "ائتوني بخميس أو لبيس، أخذه منكم مكان الصدقة، فانه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة".
قال ابن رشد: قال الجمهور: الشافعي وأبو حنيفة وأحمد الثوري والأوزاعي وغيرهم "من اشترى عرضا للتجارة فحال عليه الحول قومه وزكاه، وقال قوم: بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به لا قيمته
.
واستدل الفريق الأول بما ورد من الآثار عن السلف منها
.
عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال "مر بي عمر فقال يا حماس أد زكاة مالك. فقلت مالي مال إلا جعاب وآدم. فقال قومها قيمة، ثم أد زكاتها".
أي قومها بقيمتها في السوق يوم وجوب زكاتها.
وأوضح منه ما جاء عن جابر بن زيد - التابعي الجليل - أنه قال في مثل ذلك قومه بنحو من ثمنه يوم حلت في الزكاة، ثم أخرج زكاته.
وعن ميمون بن مهران قال: "إذا حلت عليك الزكاة فانظر ما كان عندك من نقد أو عرض للبيع فقومه قيمة النقد، وما كان من دين في ملاة فاحسبه، ثم اطرح منه ما كان عليك من الدين، ثم زك ما بقي".
وعن إبراهيم النخعي قال: يقوم الرجل متاعه إذا كان للتجارة إذا حلت عليه الزكاة، فيزكي مع ماله.

7- وهل يكون التقويم بسعر الجملة أو التجزئة؟
وبما أن الزكاة قد فرضت حقا للفقير في مال الغني على سبيل المواساة، والواجب أداء جزء من النصاب، الذي بينا - أنه يقدر بسعر السوق يوم الوجوب. فالذي يظهر لي - والله أعلم - أن التقويم بالنسبة لتاجر الجملة يكون بسعر الجملة، ولتاجر التجزئة بسعر التجزئة، وبالنسبة لمن يبيع بالطريقتين يقوم عليه بما يغلب عليه من العمل - أي البيع بالجملة والتجزئة - لأنه كما هو مقرر في القواعد أن معظم الشيء يقوم مقام الكل 
- والله أعلم.
والذي اختاره الدكتور القرضاوي - حفظه الله أن السلعة تقوم بسعر الجملة، لأنه الذي يمكن أن تابع به الحاجة بيسر
.

8- بينا (في الفقرة 10) أن المعتبر في التقويم سعر يوم وجوب الزكاة عند جمهور الفقهاء، إلا أن الصاحبين من الحنفية يرون أن التقويم يعتبر يوم أداء الزكاة - والله أعلم.

9- المال الحرام لا زكاة فيه:
واشتراط الملك لوجوب الزكاة يخرج به المال الذي يحوزه صاحبه بطريقة خبيث من طرق السحت والحرام، كالغصب والسرقة، والتزوير والرشوة، والربا والاحتكار والغش ونحوها من أخذ أموال الناس بالباطل، كالمرابين، واللصوص الكبار والصغار.
فالصحيح أن هؤلاء لا يملكون هذه الأموال المنهوبة، إن خلطوها بأموالهم الحلال حتى لم تعد تتميز منها.

قال العلماء: "لو كان الخبيث من المال نصابا لا يلزمه الزكاة، لأن الواجب عليه تفريغ ذمته برده إلى أربابه إن علموا، أو إلى ورثتهم، وإلا فإلى الفقراء. وهنا يجب التصدق به كله، فلا يفيد إيجاب التصدق ببعضه" .
ومن هنا جاء في الحديث الصحيح "لا يقبل الله صدقة من غلول" 
والغلول: المال الذي غله صاحبه، وأخذه من المال العام، كمال الغنيمة ونحوها.
وقد علل العلماء عدم قبول الصدقة بالحرام بأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به نوع من التصرف فيه، فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورا به، منهيا عنه من وجه واحد، وهو محال 
.

10- حكم مال التجارة إذا كانت الزكاة تجب في عينه :
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى 
:
وإذا اشترى للتجارة نصابا من السائمة، فحال الحول والسوم ونية التجارة موجودان زكاة زكاة التجارة، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري، وقال مالك والشافعي في الجديد يزكيها زكاة السوم، لأنها أقوى لانعقاد الإجماع عليها، واختصاصها بالعين فكانت أولى.
ولنا أن زكاة التجارة أحظ للمساكين، لأنها تجب فيما زاد بالحساب ولأن الزائد عن النصاب قد وجد بسبب وجوب زكاته، فيجب كما لو لم بلغ بالسوم نصابا، وإن سبق وقت وجوب زكاة السوم وقت وجوب زكاة التجارة، مثل أن يملك أربعين من الغنم قيمتها دون مائتي درهم، ثم صارت قيمتها في نصف الحول مائتي درهم، فقال القاضي يتأخر آخر وجوب الزكاة حتى يتم حول التجارة، ويحتمل أن تجب زكاة العين عند تمام حولها لوجود مقتضيها من غير معارض، فإذا تم حول التجارة وجبت زكاة الزائد عن النصاب لوجود مقتضيها، لأن هذا مال للتجارة وحال الحول عليه وهو نصاب، ولا يمكن إيجاب الزكاتين بكمالهما، لأنه يفضي إلى إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد فل يجز ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "ولا تثني في الصدقة" وفارق هذا زكاة التجارة وزكاة الفطر، فإنهما يجتمعان لأنهما بسببين، فإن زكاة الفطر تجب عن بدن الإنسان المسلم طهرة له، وزكاة التجارة تجب عن قيمته شكرا لنعمة الغني ومواساة للفقراء.
فأما إن وجد نصاب السوم دون نصاب التجارة، مثل أن يملك ثلاثين من البقر قيمتها مائة وخمسون درهما، وحال الحول عليها كذلك، فإن زكاة العين تجب بغير خلاف، لأنه لم يوجد لها معارض فوجبت كما لو لم تكن للتجارة.
وإن اشترى نخلا أو أرضا للتجارة، فزرعت الأرض وأثمرت النخل، فاتفق حولاهما، بأن يكون بدو الصلاح في الثمرة واشتداد الحب عند تمام الحول، وكانت قيمة الأرض والنخل بمفردهما نصابا للتجارة، فإنه يزكي الثمرة والحب زكاة العشر، ويزكي الأصل زكاة القيمة، وهذا قول أبي حنيفة وأبي ثور وقال القاضي وأصحابه: يزكي الجميع زكاة القيمة، وذكر أن أحمد أومأ إليه، لأنه مال تجارة فتجب فيه زكاة التجارة كالسائمة.
ولنا أن زكاة العشر أحظ للفقراء، فإن العشر أحظ من ربع العشر، فيجب تقديم ما فيه الحظ، ولأن الزيادة على ربع العشر قد وجد سبب وجوبها فتجب، وفارق السائمة المعدة للتجارة، فإن زكاة السوم أقل من زكاة التجارة
.

11- زكاة حلي الذهب والفضة المعدة للتجارة:
قال ابن قدام رحمه الله

ويعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن، فلو ملك حليا قيمته مائتا درهم، ووزنه دون المئتين لم يكن عليه زكاة، وان بلغ مائتين وزنا ففيه الزكاة، وإن نقص في القيمة، لقوله عليه السلام "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة" اللهم إلا أن يكون الحلي للتجارة، فيقوم فإذا بلغت قيمته بالذهب والفضة نصابا ففيه الزكاة، لأن الزكاة متعلقة بالقيمة، وما لم يكن للتجارة فالزكاة في عينه، فيعتبر أن يبلغ بقيمته ووزنه نصابا، وهو مخير بين إخراج ربع عشر حلية مشاعا، أو دفع ما يساوي ربع عشرها من جنسها، وإن زاد في الوزن على ربع العشر لما بينا أن الربا لا يجري ههنا، ولو أراد كسرها ودفع ربع عشرها لم يمكن منه، لأنه ينقص قيمتها وهذا مذهب الشافعي.
وقال مالك: الاعتبار بالوزن، وإذا كان وزن الحلي عشرين وقيمته ثلاثون، فعليه نصف مثقال لا تزيد قيمته شيئا، لأنه نصاب من جنس الأثمان، فتعلقت الزكاة بوزنه لا بصفته كالدراهم المضروبة.
ولنا أن الصناعة صارت صفة للنصاب، لها قيمة مقصودة، فوجب اعتبارها كالجودة في سائر أموال الزكاة، ودليلهم نقول به، وإن الزكاة تتعلق بوزنه وصفته جميعا، كالجيد من الذهب والفضة والمواشي والحبوب والثمار، فإنه لا يجزئه إخراج رديء عن جيد، كذلك ههنا، وذكر ابن عقيل أن الاعتبار قدر النصاب أيضا بالقيمة، فلو ملك حليا وزنه تسعة عشر، وقيمته عشرون لأجل الصناعة ففيه الزكاة، وظاهر كلام أحمد اعتبار الوزن، وهو ظاهر نصه عليه لقوله "ليس فيما دون خمس أواق صدقة"، ولأنه مال تجب الزكاة في عينه، فلا تعتبر قيمة الدنانير المضروبة، لأن زيادة القيمة بالصناعة كزيادتها بنفاسة جوهره، فكما لا تجب الزيادة فيما كان نفيس الجوهر كذلك الآخر.
فإن كان في الحلي جوهر ولآلئ مرصعة فالزكاة في الحلي من الذهب والفضة دون الجوهر، لأنها لا زكاة فيها عند أحد من أهل العلم، فإن كان الحلي للتجارة قومه بما فيه من الجواهر، لأن الجواهر لو كانت مفردة وهي للتجارة لقومت وزكيت فكذلك إذا كانت في حلي التجارة
.
12- والبضائع التي يشتريها بني التجارة تجب فيه الزكاة، وأن تأخر استلامها، لأن شرط وجوب الزكاة في عروض التجارة أن يملكه بفعله كالبيع والنكاح … الخ، والثاني أن ينوي عند تملكه أنه للتجارة 
.
والمشتري يملك البضاعة بتمام العقد، وانقطاع خيار المجلس وخيار الشرطة - إن وجد -
والله أعلم.
والسلم حقيقته: بيع دين في الذمة بعين مقبوضة، أو بثمن في الذمة، لكن مقبوض في مجلس العقد
.
لذا تزكي السلعة التي يشتريها سلما بنية التجارة زكاة الديون، على الخلاف الذي بين الفقهاء في زكاة الديون 
- والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.