بحث : الضوابط الشرعية للتوريق والتداول للأسهم والحصص والصكوك


الضوابـط الشرعيـــة للتوريـــق والتــداول

للأسهم والحصص والصكوك

 

 

إعداد

للأستاذ الدكتور

 محمد عبد الغفار الشريف

الأمين العام للأوقاف بدولة الكويت

والعميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت

وأستاذ الفقه وأصوله


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ولي المتقين ، أمر عباده المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال عز من قائل : ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً ، إني بما تعملون عليم )

وقال مخاطباً المؤمنين : ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم، واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون )

والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين ، سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ القائل : ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ، وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

1-     شهدت المهنة المصرفية في الوقت الحاضر تغيرات كبيرة في طبيعتها وأدواتها وتقنياتها؛ بسبب مساسها بالحياة الاقتصادية للأفراد والمجتمعات ، فلم تعد وظيفة المصارف قاصرة على ممارسة المهنة التقليدية المتمثلة بدور الوسط بين المقرضين والمقترضين للأموال ، عن طريق عمليات الائتمان قصيرة الأجل ، كتلقي الودائع من الأفراد والمشروعات ، وتقديم القروض القصيرة الأجل ـ أيضاً ـ للمشروعات التجارية؛ لسد حاجتها من رءوس الأموال ، وإصدار الشيكات وحسم الكمبيالات والسندات الإذنية للشركات نيابة عن عملائها ، وإصدار خطابات الضمان ، وإجراء عمليات التحويل المصرفي ، وإصدار البطاقات الائتمانية ، وتأجير الخزانات الحديدية ، وغير ذلك من الوظائف التقليدية ، بل نجد هذه المصارف قد اتجهت إلى التوسع في سياسة الإقراض المتوسط والطويل الأجل ، كتزويد المشروعات الصناعية بالتمويل اللازم لإقامة صناعات جديدة ، أو التوسع في صناعات قائمة ؛ ممارسة في ذلك النشاط الذي تقوم به مصارف الأعمال حتى ضاق الفرق بينها . وقد ألغت بعض الدول مثل فرنسا التفرقة القانونية بين مصارف الأعمال والمصارف التجارية

2-     وإن أهم ما يميز المصارف التجارية الإسلامية عن غيرها من المصارف التجارية التقليدية عدم التعامل بالفائدة ( الربا ) ؛ مما دعا جماهير المسلمين الحريصين على الرزق الحلال إلى التعامل الواسع معها ، مما كان سبباً إلى سرعة نموها ، وتوسع دائرة نشاطها . وإن كان عمرها قصيراً جداً قياساً بالنسبة للمصارف التقليدية وتتمثل أنشطة المصارف الإسلامية في قبول الودائع بمختلف أنواعها ، ودفعها للمستثمرين من أفراد ومؤسسات مقابل المشاركة في الأرباح، والحصول على نسبة منها عند تحقيقها . ولم تقتصر المجالات التي تشارك فيها المصارف الإسلامية على قطاعات معينة ، وإنما شملت كافة القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية والإسكان.

كما تنوعت أنشطتها وأصبحت تشمل مشاركة المستثمرين ، والمضاربة في بعض الأصول سريعة العائد ، والبيع بالتقسيط ، والتمويل بالقرض الحسن ، كل ذلك في إطار إسلامي واضح بعيد عن الربا بكل أشكاله ـ حسب إجتهاد الهيئات الشرعية في هذه المؤسسات ـ.

وقد استطاعت المصارف الإسلامية خلال السنوات الماضية تحقيق معدلات أرباح جيدة بلغت في بعض الأحيان نسبة 40% وقد أدى ذلك إلى تحقيق المودعين لعوائد مرتفعة نسبياً ، تفوق معدلات الفائدة السائدة في القطاع المصرفي التجاري المنافس ، وقد ساعد ذلك على تنامي حجم التعامل والإيداع لدى المصارف الإسلامية.

ويمكن فيما يلي إيجاز الصيغ الإستثمارية المختلفة للمصارف التجارية الإسلامية :

1-       صيغة المشاركة التقليدية ، وصيغة المشاركة المتناقصة التي استعملتها مصارف إسلامية لتمويل مشاركات متوسطة وطويلة الأجل.

2-                   صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء .

3-                   صيغة المضاربة بنوعيها المقيدة وغير المقيدة .

4-                   صيغة التمويل بالقرض الحسن .

5-                   صيغة الإجارة .

6-                   صيغة الإجارة المنتهية بالتمليك.

3-     ونظراً لزيادة النسبة في عنصر المخاطرة الذي يكتنف المجالات الاستثمارية للمصارف الإسلامية ، فإن اختيار المشروعات يخضع لدراسات جادة ومتأنية قبل إقرار المشاركة فيها ، مما يزيد من احتمالات وفرص النجاح ، وبذا تكون المصارف الإسلامية قد ساعدت على إقامة وتنمية وتطوير المشروعات الإنتاجية والخدمية التي يمكن أن تساهم في خدمة الاقتصاد القومي

ونظراً لكون هذه الاستثمارات معمرة ( متوسط وطويلة الأجل ) ، وتحتاج إلى فترة زمنية طويلة رأت المصارف الإسلامية أن تطرح أدوات استثمارية شرعية ، تستطيع أن تتواءم مع هذه الأنواع من الاستثمارات ؛ لذا طلب مني مجمع الفقه الإسلامي بجدة الموقر الكتابة في موضوع الضوابط الشرعية لموضوع : " التوريق والتداول للأسهم والحصص والصكوك " فأسأل الله والتوفيق والإعانة والسداد إلى الصواب .

ويمكننا أن نحصر الأدوات الشرعية المناسبة للاستثمارات المتوسطة والطويلة الأجل بما يلي :-

الشركة ، والمضاربة ، والمزارعة والمساقاة والمغارسة، والإجارة، والإجارة المنتهية بالتمليك ، والسلم ، والاستصناع .

ولكن المشكلة التي تواجهها المصارف الإسلامية هي كيفية تحويل هذه المشروعات إلى سيولة نقدية عند الحاجة إليها !!.

هذا ما نحاول الجواب عنه في بحثنا المتواضع ـ إن شاء الله تعالى ـ فعلى الكريم اعتمادنا .

4-                       تعريف التوريق :

التوريق ـ لغة ـ مصدر ورّق . يقال ورّق الشجرُ : إذا أخرج ورقه ، وورّق الشجرَ : أخذ ورقه. وأورق الشجر: أي خرج ورقه أورق، وأورق الشخص : إذا كثر ورقه ـ أي ماله. إذن التوريق في أصل اللغة الحصول على الورق ، إما بظهوره ، وإما بأخذه من محله التوريق  إصطلاحاً: المقصود بالتوريق تحويل الأدوات المالية الاستثمارية إلى أوراق مالية ، يسهل تداولها بيعاً وشراء في سوق الأوراق المالية .

5-                       خصائص الأوراق المالية 

الخصيصة الأولى : الورقة المالية صك لإثبات الحق

ويعبر عنها بالشهادة أو بالوثيقة ، أو بالسند المشارك في الربح والخسائر؛ تمييزاً لها عن السندات التي تحمل فائدة ، وتمثل ديناً لحاملها في ذمة مصدرها . وهذا الصك ليس مالاً متقوماً في ذاته ، ولكنه وثيقة بالحق ودليل عليه، ويقوم مقامه في الحيازة والقبض والتداول.

وهذا الصك يصدر باسم مالك الحصة المالية التي يمثلها، وهو شريك على الشيوع لبقية ملاك الصكوك ، في المال الذي تمثله هذه الصكوك.

الخصيصة الثانية : الورقة المالية صك يصدر بفئات متساوية :

الورقة المالية تصدر بفئات متساوية ، لأنها تمثل حصصاً متساوية في ملكية مال ، تيسيراً لشراء هذه الحصص وتداولها ، وتوزيع ناتج استثمارها.

الخصيصة الثالثة : الورقة المالية تمثل حصة في ملكية مال:

الورقة المالية تمثل حصة شائعة في ملكية مال، ولا تمثل ديناً في ذمة مصدرها؛ وهذا المال قد يكون عيناً أو منفعة عين ، وقد يكون نقوداً، أو ديوناً في ذمة الغير في بعض مراحل المال الذي تمثل الورقة حصة فيه ، وقد يكون المال مشروعاً استثمارياً يشمل خليطاً من ذلك كله.

الخصيصة الرابعة : قابلية الورقة المالية للتداول:

الأصل في الورقة المالية أن تكون قابلة للتداول ، أي للبيع والهبة والرهن وغيرها من التصرفات الشرعية ، باعتبار أنها تمثل حصة شائعة في مال ، فيكون حكمها حكم المال الذي تمثل حصة شائعة فيه . وهي تعد من أهم خصائص الأوراق المالية ؛ وذلك لتحقيق الأغراض التي ابتكرت من أجلها هذه الأوراق .

u-                 -  التأصيل الشرعي للتوريق :-

تتفق الورقة المالية مع السهم في الشركات المساهمة في خصائصه ، لأن السهم يمثل حصة شائعة في رأسمال  الشركة من النقود ، وفي بقية موجوداتها من الأعيان والمنافع والحقوق ، ثم فيما تؤول إليه هذه الموجودات من نقود أو ديون . وتختلف الورقة المالية عن السند الذي يمثل ديناً في ذمة الشركة المصدرة له ، ويستحق حامله فائدة ربوية بصرف النظر عن نتائج أعمال الشركة التي أصدرته، لأن السند يمثل ديناً في ذمة الشركة المصدرة له . أما الورقة المالية فإنها لاتمثل ديناً في ذمة مصدرها ؛ لأنه مضارب أو شريك أو وكيل استثمار، يستثمر هذه الحصيلة لحساب مالكي الورقة وعلى مسئوليتهم.

والإسهام في الشركات جائز؛ بناء على قاعدة " الأصل في المعاملات الإباحة قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ

المال إما دين وإما عين . والعين ضربان : أمانة ، ومضمون .

أما الأمانة فيجوز للمالك بيع جميع الأمانات قبل قبضها ؛ لأن الملك فيها تام ، وهي كالوديعة في يد المودع ، ومال الشركة ، القراض في يد الشريك والعامل

d7-                  الضوابط الشرعية لإصدار وتداول الصكوك الشرعية:

           الضابط الأول :

             أن يمثل الصك ملكية حصة شائعة في المشروع الذي أصدرت الصكوك لإنشائه أو تمويله ، وتستمر هذه الملكية طيلة المشروع من بدايته إلى نهايته . ويترتب عليها جميع الحقوق والتصرفات المقررة شرعاً للمالك في ملكه من بيع وهبة ورهن وإرث وغيرها ، مع ملاحظة أن الصكوك تمثل موجودات المشروع ـ العينية والمعنوية ـ وديونها .

           الضابط الثاني :

يقوم العقد في  الصكوك على أساس أن شروط التعاقد تحددها    ( نشرة الإصدار ) وأن ( الإيجاب) يعبر عنه ( الاكتتاب ) في هذه الصكوك ، وأن ( القبول) تعبر عنه موافقة الجهة المصدرة.

ولا بد أن تشتمل نشرة الإصدار على جميع البيانات المطلوبة شرعاً في العقد الذي يمثله الصك ؛ من حيث بيان معلومية رأس المال ، وتوزيع الربح ، مع بيان الشروط الخاصة بذلك الإصدار ؛ على أن تتفق جميع الشروط مع الأحكام الشرعية.

              الضابط الثالث :

أن تكون الصكوك قابلة للتداول بعد انتهاء الفترة المحددة للاكتتاب باعتبار ذلك مأذوناً فيه من الشركاء مع مراعاة الشروط التالية :-

‌أ-         إذا كان رأس مال المشروع المتجمع بعد الاكتتاب ، وقبل مباشرة العمل ما يزال نقوداً فإن تداول الصكوك يعتبر مبادلة نقد بنقد وتطبق عليه أحكام الصرف ـ من تقابض البدلين في مجلس الصرف قبل التفرق ، والخلو عن الخيار ، والتماثل ؛ إذا بيع أحد النقدين بجنسه.

‌ب-                     إذا صار رأس المال ديوناً تطبق على تداول الصكوك أحكام التعامل بالديون

‌ج-        اذا صار رأس المال موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع فإنه يجوز تداول الصكوك وفقاً للسعر المتراضى عليه ، على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعياناً ومنافع .

وفي جميع الأحوال يتعين تسجيل التداول أصولياً في سجلات الجهة المصدرة .

مع مراعاة الشروط السابقة في التداول يكون الحكم كما يأتي:

1-     يجوز تداول الصكوك في أسواق الأوراق المالية ـ إن وجدت ـ بالضوابط الشرعية ، وذلك وفقاً لظروف العرض والطلب، ويخضع لإرادة المتعاقدين. كما يجوز أن يتم التداول بقيام الجهة المصدرة في فترات دورية معينة بإعلان إيجاب يوجه إلى الجمهور، تلتزم بمقتضاه خلال مدة محددة بشراء هذه الصكوك بسعر معين ، ويحسن أن تستعين في تحديد السعر بأهل الخبرة ؛ وفقاً لظروف السوق والمركز المالي للمشروع.

2-     لايجوز أن تشتمل نشرة الإصدار أو الصكوك على نص بضمان حصة الشريك في رأس المال ، أو ضمان ربح مقطوع ، أو منسوب إلى رأس المال ، فإن نص على ذلك صراحة أو ضمناً بطل شرط الضمان .

3-     لا يجوز أن تشتمل نشرة الإصدار، ولا الصك الصادر بناء عليها على نص يلزم أحد الشركاء ببيع حصته ، ولو كان معلقاً أو مضافاً للمستقبل . وإنما يجوز أن يتضمن الصك وعداً بالبيع. وفي هذه الحالة لا يتم البيع إلا بعقد، وبالقيمة التي يرتضيها الخبراء، وبرضى الطرفين.

4-      لا يجوز أن تتضمن نشرة الإصدار، ولا الصكوك المصدرة على أساسها نصاً يؤدي إلى احتمال قطع الشركة في الربح؛ فإن وقع كان الشرط باطلاً، ويصح العقد ، وتوزع الأرباح بحسب رؤوس الأموال ، إن لم يكن قد تم الاتفاق على نسب التوزيع

ويترتب على ذلك :

      عدم جواز اشتراط مبلغ محدد لحملة الصكوك ، أو صاحب المشروع في نشرة الإصدار والصكوك الصادرة بناء عليها.

      محل القسمة هو الربح بمعناه الشرعي ، وهو الزائد عن رأس المال ، وليس الإيراد أو الغلة . ويعرف مقدار الربح ، إما بالتنضيض أو بالتقويم للمشروع بالنقد ، وما زاد عن رأس المال عند التنضيض  أو التقويم فهو الربح ، الذي يوزع بين حملة الصكوك ؛ وفقاً لشروط العقد.

                      يعد حساب أرباح وخسائر للمشروع ، ويجب أن يكون معلناً وتحت تصرف حملة الصكوك.

5-      يستحق الربح بالظهور ، ويملك بالتنضيض أو التقويم ، ولا يلزم إلا بالقسمة . وبالنسبة للمشروع الذي يدر إيراداً أو غلة فإنه يجوز أن توزع غلته ، وما يوزع على طرفي العقد قبل التنضيض (التصفية) يعتبر مبالغ مدفوعة تحت الحساب .

6-     ليس هناك ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار على اقتطاع نسبة معينة في نهاية كل دورة، أما من حصة الصكوك في الأرباح في حالة وجود تنضيض دوري، وإما من حصصهم في الإيراد أو الغلة الموزعة تحت الحساب ، ووضعها في احتياطي خاص لمواجهة مخاطر خسارة رأس المال.

7-       ليس ما يمنع شرعاً من النص في نشرة الإصدار أو الصكوك على وعد طرف ثالث منفصل في شخصيته ، وذمته المالية عن طرفي العقد بالتبرع بدون مقابل بمبلغ مخصص لجبر الخسران في مشروع معين ، وعلى أن يكون التزاماً مستقلاً عن العقد ؛ بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه ، ومن ثم فليس لحملة الصكوك الدفع ببطلان العقد ، أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به ؛ بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد .

 

8-         التجارب القطرية والدولية في التوريق:

من المؤسف أن تكون الأدوات الإسلامية غريبة في دنيا التعامل الإسلامي ؛ حيث يسيطر الوجود القانوني للأدوات المالية ذات الفوائد ، وبخاصة في قوانين الشركات التجارية السارية المفعول في معظم البلاد العربية والإسلامية.

فلو أخذ على سبيل المثال ـ قانون الشركات التجارية بالكويت ، وهو القانون رقم 15 لسنة 1960 لوجدنا أنه يتناول فقط أحكام سندات القرض في أربعة عشر مادة من رقم 116ـ رقم 129 ، دون أن يفرد لها عنواناً فرعياً ، بل جاءت تلك المواد متصلة مع المواد التي تتناول رأس مال الشركة المساهمة في الفصل الأول من الباب الرابع . وكان القانون الكويتي واضحاً في النص على اعتبار السندات قرضاً ، وأنها تعطي مالكها الحق في استيفاء فائدة محددة ، تدفع في آجال معينة (م117)  ، كما أجاز القانون الكويتي إصدار سندات قرض ذات مكافأة تدفع عند استهلاك السند  أو الوفاء بقيمته (م ـ 121).

ولم يكن الشكل القانوني لأحكام سندات القرض في قانون الشركات الأردني الذي صدر بصورته الأخيرة المعدلة بالقانون رقم 1 لسنة 1989م ، أي بعد تسعة وعشرين عاماً بأحسن حالاً ، من حيث تمسكه بالشكل التقليدي لسندات القروض ذات الفوائد . فقد جاء القانون الأردني خالياً من الإشارة إلى عدد من هذه الأدوات المنتشرة في الأسواق المالية العربية والإسلامية ، ورغم أن الأردن كانت من البلاد التي أصدرت تشريعات خاصة بالبنوك الإسلامية ، وسندات المقارضة المصرفية ، وسندات المقارضة لإعمار الممتلكات الوقفية .

بينما يلاحظ الباحث المدقق أن قانون سوق رأس المال الصادر في مصر تحت رقم 95 لسنة 1992م، قد تضمن في المادة الثانية عشرة نصوصاً واضحة عن إصدار السندات وصكوك التمويل والأوراق المالية الأخرى ( سواء كانت اسمية أو لحاملها ) بموافقة الجمعية العمومية للشركة؛ وفقاً للقواعد والإجراءات التي بينتها اللائحة التنفيذية . كما نصت المادة الثانية عشرة المشار إليها على وجوب أن تتضمن موافقة الجمعية العامة العائد الذي يغله السند أو الصك       أو الورقة على أساس حسابه ، دون التقيد بالحدود المنصوص عليها في أي قانون آخر ( انظر: القانون لسنة 95 لسنة 1992م ، بجمهورية مصر العربية ).

وتكشف تجارب الدول الإسلامية المتفاوتة بخصوص الأدوات التمويلية الإسلامية عن دوافع الحاجة لوجود هذه الأدوات مع اختفاء صورة التكامل، وذلك حتى في البلاد التي تحولت بالاقتصاد الوطني نحو الأسلمة الشاملة للنظام المصرفي والمالي . ذلك أن الأدوات التمويلية الإسلامية إنما تترعرع إذا وجد هناك اقتصاد سليم وسوق متكامل بكل خصائصه ومزاياه. ورغم أن المستقبل يبشر بنجاح مثل هذه السوق لوجود جانبي العرض والطلب ، إلا أن العزائم الإسلامية مازالت في منطقة الأمل ولم تصل إلى مرحلة العمل        

وتمثل التجارب المشار إليها أعلاه المجالات التالية :-

قدم واضعو مشروع قانون البنك الإسلامي الأردني فكرة سندات المقارضة ، وذلك على أساس أن تكون بمثابة رأس المال المجتمع من عدد غير محدد من المكتتبين ، بهدف المشاركة في أرباح المشروع الذي يجري تمويله من حصيلتها. وقد صدر القانون المشار إليه أعلاه تحت رقم 13 لسنة 1978م متضمناً تعريف سندات المقارضة.

ثم صدر بعد ذلك في الأردن أيضاً القانون المؤقت رقم 10 لسنة 1981 باسم قانون سندات المقارضة ، وكانت الغاية من ذلك القانون هي إيجاد الوسيلة الملائمة لإعمار الممتلكات الوقفية ، وتمويل إنشاء مشاريع المؤسسات العامة ذات الإستغلال المالي بما في ذلك البلديات.

ثانياً: التجربة الباكستانية

صدر في الباكستان قانون خاص بالمضاربة بتاريخ 26/6/1980م لتنظيم أحكام تسجيل شركات المضاربة وطرح سنداتها وإدارتها.

وقد تأسست بعد صدور القانون المذكور العديد من شركات المضاربة كان أولها في عام 1984م حيث طرحت إصدارها الأول في السنة التالية 1985م وتتميز هذه الشركات بأنها مسجلة في سوق الأوراق المالية بكراتشي .

ثالثاً: التجربة التركية :

  صدر في تركيا عام 1984م نوع من سندات المشاركة المخصصة لتمويل بناء جسر البوسفور الثاني ( جسر محمد الفاتح ) بمبلغ 200 مليون دولار أمريكي . وقد لاقى الإصدار قبولاً جماهيرياً واسعاً ولا سيما من المواطنين الأتراك المغتربين خارج البلاد.

ربعاً ـ التجربة الماليزية

صدر في ماليزيا عام 1983م قانون برلماني تحت مسمى قانون الاستثمار الحكومي لسنة 1983م وقد كان المأمول أن يكون القانون المشار إليه استثمارياً كما يدل العنوان ولكنه جنح عند التطبيق إلى أن يكون أداة مالية بصورة قرض.

كما قدم البنك الإٍسلامي الماليزي ما أطلق عليه اسم الكمبيالات المقبولة الإسلامية. " Islamic Accepted Bills"  ، وهي  لاتعدو أن تكون كمبيالة تجارية مقبولة ، يتم خصمها بصورة مستترة تحت اسم بيع الديون ، على غير وجه التماثل والتقابض.

خامساً: تجربة البحرين

أصدرت دولة البحرين في عام 1986م القرار الوزاري رقم 17 لسنة 1986م بشأن قواعد الترخيص في تأسيس الشركات المساهمة المعفاة من أحكام قانون الشركات التجارية رقم 25 لسنة 1977م لبدء توسيع نطاق أدوات التمويل الإسلامي .

وقد أجاز القرار الوزاري المشار إليه أعلاه تأسيس شركات على أساس أنها تملك نوعين من الأسهم هما : أسهم الإدارة المصوتة وأسهم المشاركة غير المصوته . وهذا النوع الأخير من الأسهم يشبه أسهم المضاربة حيث لا يملك رب المال أن يتدخل في إدارة الشركة وإنما يتحصل على حصة شائعة من الربح.

وقد بدأت بعض الشركات المسجلة في البحرين وفق أحكام القرار الوزاري المذكور بطرح أسهم المشاركة للبيع ، وذلك على أساس أنها تمثل مجموعة مختلفة من الموجودات المؤلفة من الأعيان والمنافع والديون مع مراعاة جانب الغلبة للأعيان والمنافع في كل الأحوال.

سادساً : التجربة المصرية

صدر في جمهورية مصر العربية قانون سوق رأس المال وهو القانون رقم 95 لسنة 1992م حيث سمح هذا القانون بإصدار أسهم لحاملها لا يكون لأصحابها الحائزين لها الحق في التصويت في الجمعيات العامة للشركة التي يساهمون فيها. ( المادة 1) .

        كما تضمنت المادة الثانية شروط إصدار الأوراق المالية في اكتتاب عام في حين أشارت المادة الثانية عشرة إلى حالة إصدار السندات وصكوك التمويل والأوراق المالية الأخرى، سواء كانت اسمية أو لحاملها بموافقة الجمعية العامة للشركة، وفقاً للقواعد والإجراءات التي تبينها اللائحة التنفيذية. كما نصت المادة الثانية عشرة المشار إليها على وجوب أن تتضمن موافقة الجمعية العامة العائد الذي يغله السند، أو الصك أو الورقة، وأساس حسابه دون التقيد بالحدود المنصوص عليها في أي قانون آخر.

سابعاً :        كما تم في السودان إصدار قانون خاص للأدوات المالية الإسلامية لم تتح لنا الفرصة للاطلاع عليه.

التقويم الشرعي للأدوات المالية:

أما بالنسبة للتقويم الشرعي للأدوات المصرح بها قانوناً سواء كانت مما هو متداول أو كانت مجرد تقنين فإن الأساس الشرعي للتقويم واضح . فإن كانت العلاقة بين مال السند والمستفيد منه هي علاقة دائن بمدين فإن ما يدفعه الدائن للمدين من عوائد مشروطة شرطاً أو معروفة عرفاً تعتبر من الربا المحرم .

أما إذا كانت العلاقة بين الأطراف المالكة للسندات والمستفيد منها ليست علاقة دائن بمدين ، فإن الفقه الإسلامي أوسع من ذلك الحجر الضيق الذي تحصر فيه قوانين الشركات تلك السندات في نطاق القرض بفائدة ، ولكن الأمر الذي يؤسف له هو أن واقع العالم الإسلامي محكوم في غالبية الأحوال بأفكار ليست نابعة من تراثه الحضاري الإسلامي . فالسندات الحكومية هي سندات قرض بفائدة حيث لم تظهر بعد إلى حيز التطبيق الرائج سندات الخزينة الحكومية الإسلامية في بناء الاقتصاد الوطني واستثمار فائض السيولة لديها.

والشركات المساهمة تعتمد على التمويل بالفائدة غالباً من البنوك بينما توجد الإمكانيات لإصدار سندات المشاركة والمرابحة بما هو أقل كلفة وأعباء من كلفة وأعباء الإقتراض بالفائدة من البنوك

9-             أنواع العقود الشرعية التي يمكن توريقها :

يمكن توريق الأدوات الاستثمارية الشرعية التالية :-

‌أ)              الشركة بجميع أنواعها القانونية بالجملة ،  ما عدا شركة المحاصة.

‌ب)         المضاربة

‌ج)          المزارعة

‌د)             المساقاة

‌هـ)             المغارسة

‌و)               الإجارة

‌ز)              الإجارة المنتهية بالتمليك

ولايمكن توريق سندات القرض ، وسندات الديون

10-             تنظيم إصدار السندات

تعتبر نشرة الإصدار أو لائحة الصكوك هي الوثيقة المنظمة للعلاقة التعاقدية القائمة بين الجهة المصدرة والمشاركة من حيث الحد الأدنى للمشاركة، وفترة الاكتتاب، وشروط التداول والتخارج ، ومن حيث طبيعة الصكوك ، وأهدافها الاستثمارية من جهة ، ومكونات الاصدار من جهة ثانية . وكذلك من حيث تحديد نصيب مختلف الأطراف من الأرباح وكيفية توزيعها وغير ذلك

          وتدار غالبية صكوك الاستثمار ( السندات الاستثمارية ) على أساس عقد المضاربة . ويقوم بدور ( المضارب ) الشركة المنشئة للصكوك أو الجهة المصدرة للسندات ، حيث تتولى جمع رأس مال المضاربة ، من حصيلة الاكتتاب في السندات الاستثمارية المطروحة حسب الشروط المبينة في نشرات الاكتتاب . ويقوم المشاركون في الصندوق والاصدار بدور أرباب المال.

          وتنعقد المضاربة بإيجاب وقبول شأن بقية العقود ، لكن صور الإيجاب هي الإكتتاب في الصندوق أو الاصدار ، والقبول هو موافقة الجهة المصدرة.

          هذا ما جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي ، وهو ينسجم مع الصورة التي تحتفظ فيها جهة الاصدار بحقها في قبول مشاركة المكتتب ورفضها ، أما إذا كانت جهة الاصدار قد أعطت للنشرة صفة الإيجاب الموجه للجمهور الملزم لها طيلة فترة الإكتتاب وتخلت عن حقها في إبداء الرأي بقبول المشاركة أو عدم قبولها فإن النشرة تعتبر في حد ذاتها إيجاباً ، ويكون القبول هو تقدم المكتتب للمشاركة .

          وليست المضاربة هي السبيل الوحيد لإدارة الصندوق أو الاصدار ، ولكن يمكن أن يصار إلى تحديد مقابل عمل المدير بنسبة من المبالغ التي يديرها ؛ أي بمبلغ مقطوع يستحقه في جميع الأحوال ، وهذا ما يتحقق من خلال اعتماد الوكالة بالاستثمار بأجر معلوم.

          جاء في فتاوى الحلقة الفقهية للبركة النص على إمكانية إدارة الصناديق بكل من المضاربة أو الوكالة فيما يلي :-

1-      كما يجوز إعطاء المال لمن يعمل فيه بنسبة من الربح على أساس المضاربة التي يستحق فيها العامل ( المضارب)  نسبة شائعة من الربح ، يجوز إعطاء المال إلى من يعمل فيه على أساس عقد الوكالة بأجر معلوم ، أو نسبة معلومة من رأس المال ، ويستحق الوكيل الأجرة سواء تحققت أرباح أم لا.

وتطبق على هذه المعاملة أحكام الوكالة بأجر.

2-      وكذلك يجوز أن يتفق الموكل مع الوكيل باستثمار المال على أنه إذا بلغت الأرباح حداً معيناً يستحق الوكيل زيادة مقدرة على الأجر المعلوم ، في صورة نسبة من الربح أو مبلغ مقطوع ، وهذه هي من قبيل الوعد بجائزة ، أما الأجر المعلوم فهو الذي يصح به عقد الوكالة .

11-                  كيفية حساب نفقات التأسيس ومن يتحملها:

إن تأسيس صكوك استثمارية أو أي إصدار استثماري يحتاج إلى تخطيط وتنظيم وهيكلة تمهيداً لطرح وحداته ، وهذه المصروفات تسمى مصروفات أو نفقات التأسيس ، وهي تصرف لمرة واحدة ،وتشمل نفقات الترخيص والاستشارة ونحوها . وهي من التحضيرات اللازمة لقيام الصكوك أو الاصدار.

وتحمل هذه المصروفات على الصكوك ، لأن مآلها لصالحه، ولأجله ، فهي إما أن يطالب بها المشاركون عند الاكتتاب ، وإما أن تحسم من صافي الأرباح التي تتحقق بعدئذ قبل التوزيع ؛ فيتحمل أثرها كل من المضارب وأرباب الأموال ؛ لأن حسمها من الأرباح يعود بالنقص على الطرفين بنسبة ربح كل منهما . ويكون تقديرها بما صرف فعلاً سواء كان لتغطية جهود الغير أو جهود المضارب نفسه ، أي بأجر المثل. وعلى هذا جاءت إحدى فتاوى الحلقة الفقهية الأولى للبركة اذا نصت على أنه ( يجوز أن تحمل مصروفات إنشاء وتسويق الصناديق والأوعية الاستثمارية على مال المضاربة إذا تضمنتها نشرة الاصدار ، وكانت مصاريف فعلية محددة بمبلغ معين أو بحد أقصى يذكر في النشرة ، فإذا لم تتضمنها نشرة الاصدار كانت هذه المصروفات على المضارب).

12-                  وسائل تخفيف درجة المخاطر وزيادة معدل الأرباح:

إن الجهة المنشئة للصكوك أو الاصدار هي المسوّقة لها ، ولكن لكي توسع من دائرة تداول السندات الاستثمارية تستعين ببعض المؤسسات المالية للإسهام معها في تسويق تلك السندات ؛ مما يؤدي إلى إبراز ورقة مالية إسلامية فيها إمكانية السيولة ، بالإضافة إلى الربح والأمان . حيث تتولى تلك المؤسسات البحث عن الراغبين في استثمار أموالهم في السندات المطروحة من خلال عدة مهام تقوم بها في هذا المجال ، بصفتها وكيلة عن الجهة المنشئة للصكوك أو الاصدار بعمولة متفق عليها هي أجر الوكالة . وهذه العمولة تحمل على الصكوك أو الاصدار باعتبارها من المصاريف المتعلقة بالمضاربة . وقد جاء النص على ذلك في الحلقة الفقهية الأولى للبركة (3) الفتوى 1، 3):

1-    يجوز أن تحمل مصروفات إنشاء وتسويق الصناديق والأوعية الاستثمارية على مال المضاربة إذا تضمنتها نشرة الإصدار ، وكانت مصاريف فعلية محددة بمبلغ معين ، أو بحد أقصى يذكر في النشرة . فإذا لم تتضمنها نشرة الاصدار كانت هذه المصروفات على المضارب.

2-    المصروفات التي تلزم المضارب في مقابل حصته من الربح هي المصروفات التي تلزم لوضع الخطط ، ورسم السياسات ، واختيار مجالات الاستثمار ، واتخاذ القرارات الاستثمارية ، ومتابعة تنفيذها ، وحساب الأرباح والخسائر ،وتوزيعها. وتشتمل مصروفات إدارة الاستثمار والأجهزة التي تعتمد قراراتها وإدارة المتابعة وإدارة المحاسبة.

على أنه إذا اقتضت طبيعة المضاربة الاستعانة بخبرات في  المجالات السابقة التي يلزم المضارب والتي لم يكن متاحة في هيكله الوظيفي وقت الدخول في المضاربة فإن تكلفة هذه الخبرات تكون من مال المضاربة .

3-           أما بقية المصروفات اللازمة لتنفيذ العمليات فتحسب على مال المضاربة.

وبالنسبة للبنوك أو الشركات الاستثمارية التي تقوم بنشاط آخر بجانب عملها مضارباً ، فيجب ان يراعى أن المضاربة لا تتحمل إلا نسبة من المصاريف الكلية تتناسب مع ما قامت به في سبيل تنفيذ عمليات المضاربة

13-                  التعهد بتغيطة كامل رأس المال في الصكوك:

من المتبع عند إنشاء صندوق أو إصدار إظهارُ رغبة الجهة المنشئة في تأسيسهما في وقت محدد وإدارتهما طبقاً للشروط المبينة في نشرة الاكتتاب ، من أجل هذا تسعى إلى تأمين تغطية كاملة لرأس مال الصندوق أو الاصدار من قبل مؤسسة مالية أخرى مستعدة لذلك التعهد الذي يتطلب منها توفيرالسيولة وتستهدف منه الحصول على نصيب من الربح أو على أجر معين.

وبما أن التعهد الذي هو بمثابة ضمان لا يجوز تقاضي عمولة عنه؛ فإن تنفيذ ذلك يتم من خلال عملية بيع من الجهة المنشئة للصندوق أو الاصدار لمكوناتها المشتملة على أعيان ومنافع، وذلك بسعر أقل من القيمة الاسمية لتحقيق ربح للجهة المتعهدة بالتغطية. وبعد التملك من تلك الجهة تقوم بتوكيل الجهة المنشئة للصندوق أو الاصدار بالبيع والتسويق، ولايقع في هذه العملية أي اشتراط لعقد في عقد ، وإنما تجري خطواتها تبعاً لتفاهم وإجراءات معهودة . فهناك عقد بيع تام ثم توكيل مستقل بإصدار سلة العمليات في صندوق استثماري وطرحه للاكتتاب العام وتسويقه بالسعر الاسمي.

14-                  ضمان رأس مال الصكوك أو الإصدار

من أحكام المضاربة ـ وكذا الوكالة ـ أن المضارب أو الوكيل لا يضمن ما بيده من الأموال المستثمرة إلا بالتعدي أو التقصير أو مخالفة الشروط التي تقيد بها . فلا يجوز اشتراط ضمان رأس المال أو ضمان ربح مقطوع      أو منسوب إلى رأس المال فإن وقع النص على ذلك صراحة أو ضمناً بطل شرط الضمان، واستحق المضارب ربح مضاربة المثل

ويجوز أن يتطوع المضارب بالضمان منفصلاً عن عقد المضاربة أي بعد تمام العقد ، فلا يبنى دخول المشارك على وجود ذلك الضمان . وبذلك أفتى بعض فقهاء المالكية، كما يجوز أن يتبرع طرف ثالث بالضمان لرأس المال شريطة أن يكون الطرف الثالث منفصلاً في شخصيته مستقلاً في ذمته المالية عن طرفي العقد وبدون مقابل ، على أن يكون التزاماً مستقلا عن عقد المضاربة .. بمعنى أن قيامه بالوفاء بالتزامه ليس شرطاً في نفاذ العقد وترتب أحكامه عليه بين أطرافه، ومن ثم فليس لحملة الصكوك أو العامل في المضاربة الدفع ببطلان المضاربة أو الامتناع عن الوفاء بالتزاماتهم بها بسبب عدم قيام المتبرع بالوفاء بما تبرع به بحجة أن هذا الالتزام كان محل اعتبار في العقد

15        التقويم في الصكوك ( التنضيض الحكمي):

بما أن نشاط الصندوق يستمر سنوات وتمر عليه دورات زمنية متعددة ؛ نظراً للطابع الجماعي في المستثمرين، والمخارجة بينهم فإن التنضيض الحكمي هو الملائم لهذه الطبيعة وقد اعتبر بديلاً صحيحاً عن التنضيض الفعلي ، الذي لايقع إلا عند نهاية مدة الصندوق بالتصفية لموجوداته.

وقد جاء قرار المجمع بشأن سندات المقارضة أن مقدار الربح يعرف إما بالتنضيض، أو بالتقويم للمشروع بالنقد . كما اشترطت فتاوى الحلقة الفقهية الثانية للبركة أن يتم التقويم وفقاً للمعايير المحاسبية المتاحة.

ومستند التوزيع طبقاً للتنضيض الحكمي ( التقويم ) هو أن الرجوع للقيمة هو مبدأ شرعي في كثير من التطبيقات ، وأن التقويم الدقيق يؤدي إلى معرفة الربح كما لو تمت التصفية . وأما في حالة التوزيع تحت الحساب فهو يستند إلى مبدأ جبر الخسارة بين مراحل المضاربة في حال عدم القسمة النهائية (المفاصلة).

16-                  متطلبات نجاح الأدوات التمويلية الإسلامية

تتمثل القاعدة الأساسية في نجاح الأدوات التمويلية الإسلامية ـ بشكل خاص ـ في وجود الأساس التشريعي والتنظيم القانوني الواضح . ذلك أن الأدوات التمويلية تتعلق بها حقوق المستثمرين كما ترتبط بالتزامات المتمولين.

يضاف إلى ذلك الأدوات التمويلية الإسلامية تتطلب شرطاً متميزاً للتداول في سوق رأس المال الإسلامي ، وهو كونها تمثل أعياناً ومنافع بصورة تزيد عما تمثله من الديون والنقود.

فإذا وجدت هذه الأدوات وكان هناك سوق منتظم لرأس المال الإسلامي ، ليتم فيه تداول الأدوات التمويلية الإسلامية بالبيع والشراء بسعر يومها ، فإن الفرق النظري بين الأدوات التمويلية ذات الأجل المتوسط أو الطويل أو القصير يصبح منعدماً وكأنه لا قيمة له.

فالأداة الطويلة الأجل لعشر سنوات تصير أقل من قصيرة الأجل طالما أنها تباع بسعر يكون معلناً في عروض البيع وعروض الشراء . أما الأداة القصيرة الأجل فإنها تصبح مع وجود السوق مجرد تجديد للاستثمار.

فإذا وجد مثل هذا السوق المنتظم للأدوات التمويلية الإسلامية، فإن المستثمرين عندئذ يتشجعون للإقبال على الشراء، وذلك لأن البيع ميسر في كل وقت ، كما تتشجع كذلك البنوك وشركات التأمين وصناديق الضمان الاجتماعي والتوفير التعاوني.

وكذا يساعد وجود السوق المنتظم على تشجيع الشركات المساهمة للإقبال على طرح إصداراتها من الأدوات التمويلية الإسلامية ، وفقاً لما تحتاجه من تمويل وذلك دون أن يفرض عليها الإقتراض كباب وحيد.

والحمد لله أولاً وآخراً ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

 

                                          أ.د. محمد عبد الغفار الشريف

 

التوصيــــات

 

1    لنجاح أدوات التمويل الإسلامية يجب إصدار تشريعات خاصة بها ، لإمكان إدراجها في الأسواق المالية ، ولمعرفة المتعاملين بها بحقوقهم القانونية .

2      إنشاء سوق منتظم للأوراق المالية الإسلامية

3       إنشاء لجنة مراقبة لعملية تداول الأوراق المالية الإسلامية

 

والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.