بحث : دفع المنافع في الزكاة

(( دفع المنافع في الزكاة ))

إعداد

أ.د. محمد عبد الغفار الشريف

الأمين العام للأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت

العميد السابق لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت

 أستاذ الفقه وأصوله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فرض للفقراء من المسلمين حقا في أموال أغنيائهم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) والصلاة والسلام على سيد البشرية، وأكرم كرمائهم، سيدنا ونبينا وحبيبنا ورسولنا محمد وعلى آله، الذين كانوا يؤثرون الفقير على أنفسهم، ورضي الله عن صحابته الذين جادوا بأنفسهم ونفائسهم.. أما بعد:

فقد وجهت إلي الأمانة العامة للهيئة العالمية للزكاة- مشكورة- دعوة كريمة للكتابة في موضوع "إخراج المنافع زكاة" عن الأموال" الذي يعتبر من نوازل الفقه- أي الأمور المستجدة- التي لم يسبق لفقهائنا الأعلام الكلام عنها، لذا شمرت عن ذراعي للبحث- على الرغم من أعمالي الإدارية- لعل الله أن يسخر لي دعوة صالحة، من قلب حبيب، تفتح لها أبواب السماء، فيكون فيها عتق رقبتي ووالدي، وشيوخي وأحبابي من النار. آمين.

وأرى أن مفتاح الموضوع يكمن في تعريف الزكاة، لذا سأبدأ به معتمداً على الله العليم الكر يم.

•1- التعريف القرآني للزكاة

قال الله- تعالى- "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" قال الأمام المفسر الراغب الأصفهاني- رحمه الله-

أصل الحق: المطابقة والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقه لدورانه على استقامة والحق يقال على أوجه:

الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى: هو الحق، قال الله تعالى: (وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ).

والثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يقال: فعل الله تعالى كله حق، ونحو قولنا: الموت حق، والبعث حق، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً) إلى قوله: (مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ)

والثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه، قال الله تعالى: (فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ)

والرابع: للفعل والقول بحسب ما يجب وبقدر ما يجب، وفي الوقت الذي يجب، كقولنا: فعلك حق وقولك حق، قال تعالى: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ)

وجاء في معجم ألفاظ القرآن، الكريم لمجمع اللغة العربية بالقاهرة ما يأتي:-

الحق هو الثابت الصحيح. وهو ضد الباطل.

والحق لفظ كثير الورود في الكتاب الكريم. والمراد منه على سبيل التعيين يختلف باختلاف المقام الذي وردت فيه الآيات، ومعناه العام لا يخلو من معنى الثبوت والمطابقة للواقع.

فالحق: هو الله، لأنه هو الموجود الثابت لذاته

والحق: كتب الله وما فيها من العقائد والشرائع والحقائق.

والحق: الواقع لا محالة الذي لا يتخلف.

والحق: أحد حقوق العباد وهو ما وجب للغير ويتقاضاه.

والحق: العلم الصحيح.

و الحق: العدل.

و ا لحق: ا لصدق.

والحق: البين الواضح.

والحق: الواجب الذي ينبغي أن يطلب.

والحق: الحكمة التي فعل الفعل لها.

والحق: قد يراد به البعث.

والحق: المسوغ بحسب الواقع.

والحق: التام الكامل.

وإذا أضيف الحق إلى المصدر كان معناه أنه على أكمل وجه.

وفي الآية (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) أي واجب مقرر يتقاضونه ومثلها ما في 24/ المعارج.

فال الإمام القرطبي- رحمه الله- في تفسير الآية الكريمة: يريد الزكاة المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد: سوى الزكاة. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس- رضي الله عنهما-: صلة رحم، وحمل كل. والأول أصح؟ لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر .

قال الإمام ابن رشد الجد رحمه الله-

وإنما ورد في القرآن الأمر بالزكاة بألفاظ مجملة وعامة. فالمجمل منه ما لا يفهم المراد منه من لفظه ويفتقر في البيان إلى غيره مثل قوله تعالى: (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ، فلا يفهم من هذا اللفظ جنس الحق ولا مقداره، ولا يمكن امتثال الأمر به إلا بعد بيان. ومثل هذا اللفظ إذا ورد وجب اعتقاد وجوب المراد به إلى أن يرد البيان. والعام ما ظاهره استغراق الجنس فيجب امتثال الأمر به بحمله على عمومه حتى يأتي ما يخصصه، مثل قوله تعالى:( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) وما أشبه ذلك. فالظاهر في قوله تعالى: (من أموالهم)، أن الزكاة تؤخذ من جميع أصناف الأموال ومن القليل والكثير منها، إذ لم يخص شيئا من ذلك دون شيء، وقوله تعالى: (صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) من المجمل الذي يفتقر إلى بيان، إذ لا يفهم من نفس هذا اللفظ قدر الصدقة التي يقع بها التطهير والتزكية بها فالآية مشتملة على نص لا يحتمل التأويل، وعلى عموم يحتمل التأويل، وعلى محمل يفتقر إلى البيان والتفسير، لأنها نص في الأخذ وفي أنه- صلى الله عليه وسلم- مأمور به، وعموم في الأموال، ومجمل في المقدار.

2- الزكاة في السنة

قال الإمام ابن رشد الجد- رحمه الله-:-

وقد بين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مجمل القرآن في الزكاة وغيرها وخصص عمومه المراد به الخصوص قولاً وعملا كما أمره الله تعالى به حيث يقول في كتابه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) فبين النبي- صلى الله عليه وسلم- مم تؤخذ الزكاة من  الأموال وممن تؤخذ من الناس وكم يؤخذ منها ومتى تؤخذ .

ولكن لم يجئ في السنة المطهرة ما يحدد الاصطلاح الشرعي للزكاة . ولذا حاول الفقهاء- رحمهم الله- وضع تعريف شرعي للزكاة.

3- التعريف الفقهي للزكاة.

قال العلامة ابن حجر الهيتمي- رحمه الله- وشرعا اسم لما يخرج عن مال أو بدن على الوجه الآتي؛ سمي بذلك لوجود تلك المعاني كلها فيه .

وقال العلامة منصور البهوتي الحنبلي: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة فقد استخدم المصطلح القرآني، ولو كان قال "حق معلوم" كان أدق، لأن الحق هو الواجب، ولكن المعلوم نص على تخصيص مقدار الزكاة، كما أتت به السنة وقال ابن عرفة المالكي- رحمه الله-: الزكاة- اسما-: جزء من المال، شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصابا. ومصدراً: إخراج جزء.. الخ.

وإذا نظرنا في تعريفات الفقهاء نجد أن أكثرهم لم يقيد المخرج بأن يكون مالاً- بالاصطلاح الفقهي، سواء الموسع أو المضيق منهم-، وإنما يفهم من تتبع الفروع عندهم- بأن المخرج يكون مالاً، ولكن-في رأي، والله أعلم- أنهم كانوا يلتزموا بما يعرفونه من أموال الزكاة في عصرهم. والحق في المصطلح الفقهي أوسع من المال.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يأتي:-

المراد بالحق- غالبا- عند الفقهاء: ما يستحقه الرجل، وإطلاقات الفقهاء للحق كانت مختلفة ومتعددة، منها:

مثل: تسليم الثمن الحال أولا ثم تسليم المبيع، وذلك في قولهم: ومن باع سلعة بثمن سلمه أولا، تحقيقا للمساواة بين المتعاقدين، لأن المبيع يتعين بالتعيين، والثمن لا يتعين إلا بالقبض، فلهذا اشترط تسليمه إلا أن يكون الثمن مؤجلا، لأنة أسقط حقه بالتأجيل، فلا يسقط حق الآخر.

4- المال في الاستعمال الفقهي:-

يقول العلامة محمد حسين كاشف الغطاء- رحمه الله-:-

مدار العقود والمعاملات على الأموال، وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية، وإنما هو: حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوم بها معايشهم، وتسد بها حاجاتهم الضرورية والكمالية.

فمثلا: الحبوب والأطعمة مال، لأن البشر محتاج إليها في أقواته وحياته. وهكذا كل ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها، قد انتزع العقلاء منها معنى وصفيا عرضيا يعبر عنه: بالمال، وهو من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم.

ولما كانت مدنية الإنسان لا تتم إلا بالحياة المشتركة، وهي تحتاج إلى المقايضة والتبادل في الأعيان والمنافع، وكان التقابض بذلك الأعيان- وهي العروض- مما لا ينضبط، أرادوا جعل معيار يرجع إليه في المعاملات، ويكون هو المرجع الأعلى والوحدة المقياسين، فاختاروا الذهب والفضة، وضربت سكة السلطان عليهما؛ لمزيد الاعتبار في أن يكون عليهما المدار، فماليتهما أمر اعتباري محض لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغير ها من حيث الذات والحقيقة.

ولذا- في هذه العصور- حاولت بعض الدول قلب الاعتبار إلى الورق، ولكن مع الاعتماد عليهما.

ومهما يكن الأمر، فإن المال لما كانت حقيقته تقوم على الاعتبار، فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالاً، فكذلك اعتبروا ذمة الرجل العاقل الرشيد مالاً، ولكن مع الالتزام والتعهد.

فإذا التزم لك الثقة الأمين بمال في ذمته، وثقت به وجعلته كمال في يدك أو صندوقك، وكذا العقلاء يعتبرون أن لك مالاً عنده.

أما من لا عهدة له ولا ذمة كالسفيه والمجنون والصغير، بل والسفلة من الناس الذين لا قيمة لأنفسهم عندهم الذي يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه، فهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف، والتزامهم عند العقلاء هباء، ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال.

فالمال إذا نوعان: خارجي عيني وهو النقود والعروض، واعتباري فرضي وهو ما في الذمم، أعني: الالتزام والعهدة.

والالتزام تأثيره لا ينحصر بالمال، بل يتمطى ويتسع حتى يحتضن جميع العقود، بل وكافة الإيقاعات.

ألا ترى أن البيع إذا صهره التمحيص لم تجد خلاصته إلاً تعهدا والتزاما بأن يكون مالك للمشتري عوض ماله الذي التزم أنه لك؟! فيترتب على هذا الالتزام مبادلة في المالين بانتقال مال كل واحد إلى الآخر، ويتحقق النقل والانتقال كأثر لذلك الالتزام.

وهكذا الإجارة والجعالة، بل والإيقاع كالعتق والإبراء، بل والنكاح والطلاق كلها تعهدات والتزامات وإبرام ونقض وحل وعقد، تباني عقلاء البشر من جميع الأمم والعناصر على إتباعها والعمل بها كقوانين لازمة ودساتير حاسمة، يسقط عن درجة الإنسانية من لا يلتزم بها في كل عرف ولغة .

5- هل المنفعة مال؟!

قال الشيخ علي الحفيف الحنفي- رحمه الله-:

ومقتضى هذا التعريف: أي تعريف الحنفية أن المال لا يكون إلا مادة حتى يتأتى إحرازه وحيازته، ويترتب على ذلك: أن منافع الأعيان، كسكنى المنازل، وركوب السيارات ولبس الثياب لا تعد مالا وكذا حقوق الإنسان.

أما المنافع فإنها- وإن أمكن الانتفاع بها- لا يمكن حيازتها لأنها أعراض تتجدد بتجدد أوقاتها، وتحدث آنا فآنا باكتسابها، وعمل مبتغيها وطلبه، فإذا ما انتفعت بسكنى منزل فإنما تحدث المنفعة بنزولك فيه وشغلك إياه، وسكناه في يوم معين غير سكناه في يوم آخر، بل إن سكناه في ساعة معينة غير سكناه في ساعة أخرى وإذا ما أردت القراءة في كتاب فلا توجد إلا إذا فتحت الكتاب ونظرت فيه، وتكون قراءتك فيه عند ذلك غير قراءتك فيه بعد هذا الوقت، لاختلاف المقروء واختلاف الوقت وهكذا ترى أن منافع الأعيان أعراض تحدث ساعة فساعة عند طلبها واكتسابها، وإنها قبل الطلب والاكتساب معدومة لا وجود لها في عالم الأعيان، وإذا وجدت فقد وجدت لتفنى حال وجودها، وإذا كانت كذلك لم يمكن حيازتها ولا إحرازها، فلا تكون مالا، لأن المال كما تقدم ما يمكن حيازته، وهذا مذهب الحنفية.

وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن المنافع أموال، وليس يلازم في المال أن يحرز ويحاز بنفسه، بل يكفي أن يحاز بحيازة أصله ومصدره، ولا شك أن المنافع تحاز بحيازة محالها ومصادرها، فإن من يحوز سيارة يمنع غيره أن ينتفع بها إلا بإذنه وهكذا، فإذا ما وسعنا معنى الحيازة والإحراز، فجعلناه أعم من أن يكون مباشرة أو بالواسطة كان التعريف شاملا المنافع، لأنها ممكنة الحيازة بإحراز أصلها وكذلك ينتفع بها. وبذلك نستغني عن أن نعرف المال تعريفا آخر مثل: ما يجري فيه البذل والمنع.

واعتبار المنافع من الأموال هو أوجه الرأيين، لأنه المتفق مع عرف الناس والمتسق مع أغراضهم ومعاملاتهم، فهم لا يبتغون العيان إلا طلبا لمنافعها، ولأجلها يستعيضونها بالنفيس من أموالهم، وما لا منفعة له لا رغبة فيه ولا طلب له، وإذا طلب عد طالبه من الحمقى والسفهاء، وربما حجر عليه، ولذا كان في المنافع مجال واسع لمعاملتهم المالية، وليس أدل على ذلك من إقامة الخانات والفنادق، والحوانيت، والأسواق، وبناء دور السكنى، وإنشاء السكك الحديدية، وبناء البواخر، وما إلى ذلك مما هو معد للاستغلال بالاستعاضة عن منافعه، ولذا جاز أن يعتاض عن المنافع بالمال، كما في الإجارة، وأن تكون مهراً. وقد جعله الله من الأموال لقوله تعالى (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي أحل الله لكم أن تطلبوا بأموالكم زوجات لكم محصنين أنفسكم غير زانين ممن لم يحرمه عليكم من النساء في الآيات السابقة.

وثمرة هذا الخلاف تظهر في أحكام كثيرة، من أحكام الإجارة والعصب وغير هما.

وقد أخذ التشريع الوضعي برأي الشافعية فاعتبر المنافع من الأموال. كما اعتبر حقوق المؤلفين وشهادات الاختراع وغير ذلك من عناصر الذمة الإيجابية مالا. فكان المال فيه أعم من المال عند الفقهاء.

وأما الحقوق فلا تعدو في الواقع أن تكون منفعة يقرها الشارع لفرد أو لأفراد وعلى ذلك لا يعدها الحنفية من الأموال، لعدم إمكان حيازتها أيضا، سواء أكانت متعلقة بمال كحق المرور وحق المسيل الثابتين على أرض لغير صاحبهما، أم كانت متعلقة بما ليس بمال كحق الزوج في الاستمتاع بزوجه وحق الأم في حضانة صغير ها. أما غير الحنفية فيعدون الحق مالا إن أريد به منفعة هي مال، كحق المستأجر في العين الذي استأجرها، ولا يعدونه مالا إنما أريد به أمر من الأمور المعنوية الشرعية التي لا وجود لها إلا باعتبار الشارع كحق الحضانة وحق الزوج في الاستمتاع بزوجه.

6- هل الزكاة تتعلق بالذمة أو بالمال؟

اختلف الفقهاء هل تجب الزكاة في الذمة أو في المال؟

فمذهب جمهور الفقهاء وجوبها في المال، وذهب الشافعي- رحمه الله- في قول، والحنابلة- في المعتمد- إلى تعلقها بالذمة؛ لأن الزكاة تشبه المؤن والنفقات فيجب في الذمة، كسائر العبادات، ثم يخاطب بالأداء، ولذا إذا تعذر الأداء من مال معين، يكون المزكي مخيراً بالأداء من أي موضع شاء. وهذا الذي نختاره- والله أعلم-

7- إخراج المنفعة زكاة عن المال  

وللمسألة صورتان:-

8- إسقاط الدين عن المعسر هل يحسب زكاة؟

قال الإمام النووي: إذا كان لرجل معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له: جعلته عن زكاتي، فوجهان (في مذهب الشافعي) أصحهما لا يجزئه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد؛ لأن الزكاة في ذمته، فلا تبرأ إلا بإقباضها والثاني: يجزئه، وهو مذهب الحسن البصري وعطاء، لأنه لو دفعه إليه، ثم أخذه منه جاز، فكذا إذا لم يقبضه، كما لو كانت عنده دراهم وديعة ودفعها عن الزكاة، فإنه يجزئه سواء قبضها أم لا. أما إذا دفع الزكاة إليه بشرط أن يردها إليه عن دينه، فلا يصح الدفع إليه، ولا تسقط الزكاة بالاتفاق (في المذهب) ولا يصح قضاء الدين بذلك بالاتفاق. ولو نويا ذلك ولم يشرطاه جاز بالاتفاق، وأجزأه عن الزكاة. وإذا رده إليه عن الدين برئ منه.. ولو قال المدين: ادفع إلي زكاتك حتى أقضيك دينك، ففعل، أجزأه عن الزكاة، وملكه القابض، ولا يلزمه دفعه إليه عن دينه، فإن دفعه أجزأه.

وما ذكره النووي عن الحسن هنا نقله عنه أبو عبيد: أنه كان لا يرى بذلك بأسا، إذا كان ذلك من قرض. قال: "فأما بيوعكم هذه فلا" أي إذا كان الدين ثمنا لسلعة، كما هو الشأن في ديون التجار، فلا يراه الحسن مجزئا.

أما أبو عبيد فشدد في ذلك ولم يره مجزئا بحال. ونقله عن سفيان الثوري، ورأى في ذلك مخالفة للسنة، كما خشي أن يكون صاحب الدين إنما أراد أن يقي ماله بهذا الدين الذي قد يئس منه، فيجعله ردءا لماله يقيه به، ولا يقبل الله إلا ما كان له خالصا.

وقال ابن حزم: من كان له دين على بعض أهل الصدقات فتصدقوا عليه بدينه قبله. ونوى بذلك أنه من الزكاة، أجزأه ذلك وكذلك لو تصدق بذلك الدين على من يستحقه وأحاله به على من هو له عنده، ونوى بذلك الزكاة، فإنه يجزئه.

برهان ذلك أنه مأمور بالصدقة الواجبة وبأن يتصدق على أهل الصدقات من زكاته الواجبة بما عليه منها فإذا كان إبراؤه من الدين يسمى صدقة، فقد أجزأه.

واستدل ابن حزم بحديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم قال: أصيب رجل على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ثمار ابتاعها. فكثر دينه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "تصدقوا عليه" قال: وهو قول عطاء بن أبي رباح وغيره.

وهو مذهب الجعفرية أيضا. فقد سأل رجل جعفر الصادق قائلا: لي دين على قوم قد طال حبسه عندهم، لا يقدرون على قضائه، وهم مستوجبون للزكاة: هل لي أن أدعه، فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال: نعم.

قال شيخنا العلامة الدكتور/ يوسف القرضاوي: وعندي أن هذا القول أرجح. ما دام الفقير هو المنتفع في النهاية بالزكاة بقضاء حاجة من حوائجه الأصلية وهي وفاء دينه. وقد سمى القرآن الكريم حط الدين عن المعسر صدقة في قوله تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

فهذا تصدق على المدين المعسر، وإن لم يكن فيه إقباض ولا تمليك، والأعمال بمقاصدها، لا بصورتها وهذا بشرط أن يكون عاجزا عن الوفاء، وأن يبرئه من دينه، ويعلمه بذلك. فمثل هذا المدين العاجز، إن لم يكن من الفقراء والمساكين، فهو قطعا من الغارمين فهو من أهل الزكاة. والإبراء بمنزلة الإقباض، وهو يحقق للمدين حاجة نفسية، بإزاحة ثقل الدين عن كاهله فينزاح عنه هم الليل، وذل النهار، وخوف المطالبة والحبس، فضلا عن عقوبة الآخرة .

وما رجحه شيخنا العلامة القرضاوي: هو الذي نختاره؛ لما ذكر من الأدلة، ولأن إسقاط الدين إبراء لذمة الفقير من الدين مقابل إبراء ذمة الغني عن حق الله في الزكاة، فيكون مقاصة لما في الذمتين. والإبراء- عند كثير من الفقهاء- تمليك.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يأتي:-

- المستفاد من كلام الفقهاء اشتمال الإبراء على كلا المعنيين: الإسقاط والتمليك، وفي كل مسالة تكون الغلبة لأحدهما، وإن كان في بعض الصور يتعين أحد المعنيين تبعا للموضوع، كالإبراء عن الأعيان، فهو للتمليك، لأن الأعيان لا تقبل الإسقاط. أما في الديون الثابتة في الذمة فيجري المعنيان كلاهما. فمن ذلك ما قاله ابن نجيم من أن الإبراء عن الدين فيه معنى التمليك ومعنى الإسقاط، ومثل لما غلب فيه معنى التمليك بأنه لا يصح تعليقه على الشرط، ويرتد بالرد.

- ومثل بعض الحنابلة لما غلب فيه معنى الإسقاط بأنه لو حلف لا يهبه، فأبرأه، لم يحنث، لأن الهبة تمليك عين، وهذا إسقاط وأنه لا يجزئ الإبراء عن الزكاة، لانتفاء حقيقة الملك.

- ونقل القاضي زكريا عن النووي في الروضة قوله " المختار أن كون الإبراء تمليكا أو إسقاطا من المسائل التي لا يطلق فيها ترجيح، بل يختلف الراجح بحسب المسائل، لقوة الدليل وضعفه، لأن الإبراء إنما يكون تمليكا باعتبار أن الدين مال، وهو إنما يكون مالا في حق من له الدين، فإن أحكام المالية إنما تظهر في حقه.

- ومما غلب فيه معنى التمليك عند المالكية ترجيحهم اشتراط القبول في الإبراء، كما سيأتي على أن هناك ما يصلح بالاعتبارين (الإسقاط والتمليك بالتساوي). ومنه ما نص عليه الحنفية أنه لو أبرأ الوارث مدين مورثه غير عالم بموته، ثم بان ميتا، فبالنظر إلى أنه إسقاط يصح، وكذا بالنظر إلى كونه تمليكا، لأن الوارث لو باع عينا قبل العلم بموت المورث ثم ظهر موته صح، كما صرحوا به، فهنا بالأولى .

وهذا الذي اخترناه في هذه المسألة يتفق مع رأي من قال بأن الزكاة تتعلق بالذمة.

مع أن كثيراً من الفقهاء لا يوافقون على شرط التمليك في الزكاة.

قال العلامة الشوكاني- رحمه الله-

أما الإبراء فقد قدمنا أن الزكاة تجب من العين فإذا لم تكن العين موجودة جاز إخراج الجنس ثم القيمة فهذا الذي جعل الدين الذي له على الفقير من الزكاة الواجبة عليه إن كانت العين موجودة لديه صرفها إلى الفقير وردها الفقير إليه قضاء عن دينه وإن لم تكن موجودة لديه كان الإبراء للفقير في حكم التسليم إليه ولا مانع من ذلك. ومن ادعى أن ثم مانعا فعليه الدليل.

وأما الإضافة للفقير فإن كان ذلك بعين الزكاة فلا شك في جوازه وهكذا إن كان بجنسها مع عدم العين ومن ادعى أن ثم مانعا فعليه الدليل.

وأما التعليل بالعلل الفروعية من كون الزكاة تمليكا وكون النية لا بد أن تكون مقارنة فليس ذلك مما تقوم به الحجة بل هو في نفسه عليل.

9- تقديم خدمة مقابل الزكاة هل يبرأ ذمة الدافع؟

مما سبق من تعريفنا للمال، واعتبار المنفعة مالاً- على اختيار جمهور الفقهاء-، وكذا من اختيارنا بأن الإبراء يعتبر تمليكا، وأن الزكاة تتعلق بالذمة، وكذا اختيارنا بأن الزكاة لا يشترط فيها التمليك، وإنما الشرط فيها دفع خلة الفقير، وإبراء ذمته من الدين دفع لحاجة لديه نختار إجزاء دفع المنفعة زكاة عن المال. ويدعم هذا الاختيار قول من أجاز إخراج الزكاة بالقيمة من الفقهاء، وهو اختيار الحنفية وكثير من فقهاء المذاهب الأخرى، وللإمام ابن تيميه تفصيل جيد في هذه المسالة ننقله عنه- رحمه الله-

سئل- رحمه الله- عمن أخرج القيمة في الزكاة، فإنه كثيراً ما يكون أنفع للفقير: هل هو

جائز أو لا؟

فأجاب: وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد- رحمه الله- قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين.

والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه. ولهذا قدر النبي- صلى الله عليه وسلم- الجبران بشاتين أو عشرين درهما، ولم يعدل إلى القيمة، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر،  ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه.

وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل، فلا بأس به، مثل أن يبيع ثمر بستانه، أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلف أن يشتري ثمراً أو حنطة، إذا كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك.

ومثل أن يجب عليه شاه في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة.

ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة، لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء، كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: " أنتوني بخميس أو لبيس أسهل عليكم، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار ".

وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة، وقيل في الجزئية .

وهذا الذي نختاره من أقوال الفقهاء- والله أعلم-

وعلى هذا إذا كان في دفع المنفعة إلى الفقير مصلحة قائمة له؛ كحاجته إلى التطبيب، أو التعليم، أو غير ذلك فلا مانع من قيام المزكي بالخدمة المطلوبة، واعتبارها زكاة عن أمواله- سواء كانت زكاته قد حل حولها، أو إذا أراد تعجيلها، بالشروط المذكورة عند الفقهاء. وكذا يجوز ذلك إذا كان في إخراج المنفعة بدلاً عن المال دفع لضرر عن المزكي؛ إذ لا ضرر ولا ضرار.

 والله أعلم- وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا وحبيبنا ورسولنا محمد وعلى آله وصبحه وسلم. والحمد لله رب العالمين.

أ.د/ محمد عبد الغفار الشريف

 

 

ضوابط إخراج المنفعة زكاة:-

•1-أن تكون للفقير حاجة قائمة إلى المنفعة المخرجة.

•2-أن لا تكون المنفعة مبذولة بالمجان من جهات أخرى، كالعلاج الحكومي، والتعليم، وما أشبه ذلك.

•3-أن تكون المنفعة من الحاجات الأساسية، لا الكماليات.

•4-أن يتضرر المزكي من إخراج الزكاة نقداً، أو ما أشبه بالنقد، إما لعدم توفر المال لديه، أو لحاجته القائمة إلى المال عند حلول موعد زكاته.

•5-أن تقدر المنفعة المخرجة زكاة بقيمتها الحقيقية في السوق أو أقل، لا المبالغة في قيمتها عند إخراجها زكاة. والله أعلم-.

 

خلاصة البحث

تكلمنا في البحث عن:-

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.