كتاب الفرقة بين المسلين

كتاب الفرقة بين المسلمين أسبابها وعلاجهامقدمة الناشر :
الحمد لله القائل: ((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ )) آل عمران - 103، والصلاة والسلام على نبي الهدى وإمام المتقين القائل: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، ورضوان الله على صحابة نبيه أعلام الورى وسادة الدُّنى وآله الأطهار وسلم تسليماً كثيراً.

وبعد أخي القارئ..!
فإن المراقب لأحوال المسلمين عامتهم وخاصتهم ليضيق صدره ألماً لما آل إليه حالهم من فرقة وشتات، أطمع فيهم أعداءهم، وجعل أمرهم فرطاً، فتداعى المصلحون والغيورون على أمتهم، يبحثون وينظرون في أسباب هذه الفرقة وطرق علاجها، علَّهم بذلك يردون المسلمين إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه من ترابط وتعاون واتحاد، فكان هذا البحث الذي خطه الأخ الفاضل محمد بن عبدالغفار الشريف، محاولة لإصلاح ذات بين المسلمين، ولمّ شملهم وشعثهم، ولأهميته، ومساس الحاجة إليه، ورغبة في أن تعم الفائدة كل مطلع عليه، رأينا نشره، سائلين الله أن يجعله في حسنات كاتبه وناشره وكل من سعى لتطبيق نتائجه وتوحيد صفوف المسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


مقدمة المؤلف :
الحمد لله الذي خلق فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله كلمة جمعت بين أبي بكر وبلال، وعمر وعمار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جمع الأمة بعد الشتات، ووحد صفوفها بعد التفرق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتابعيهم وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد :
فإن مما يؤلم المسلم الحريص على دينه ما يراه من فرقة واختلاف بين المسلمين، يفرقان جماعتهم، ويمزقان ألفتهم، ويشتتان شملهم، فأصبحوا كالغنم المطيرة ف بالليلة الشاتية، يسهل على الذئب افتراسها وتمزيقها.

ولم يكتف الشيطان بهذا الاختلاف وتلكم التفرقة، بل أخذ يغري بينهم العداوة والبغضاء، فأخذت كل فرقة منهم تكيد الأخرى، وتشمت بها إذا حل بها البلاء، وكأنما انعكست الآية على المسلمين، فبدلاً من أن يكونوا أخوة متحابين، صاروا أعداء متحابين.

الاختلاف سنة ربانية :
قال الله تعالى: (( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )) هود - 188، 119 
قال الشاطبي -رحمه الله تعالى- :  "فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبداً، مع أنه خلقهم للاختلاف، وهو قول جماعة من المفسرين في الآية، وأن قوله: ((وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ))، معناه: للاختلاف خلقهم، وهو مروي عن مالك بن أنس، قال: خلقهم ليكونوا فريقاً في الجنة، وفريقاً في الجنة، وفريقاً في السعير، ونحوه عن الحسن، فالضمير في (( خَلَقَهُمْ )) عائد على الناس، فلا يمكن أن يقع منهم إلا ما سبق في العلم.

وليس المراد ها هنا الاختلاف في الصور، كالحسن والقبيح، والطويل والقصير، ولا في الألوان، كالأحمر والأسود، ولا في أصل الخلقة، كالتام الخلق والأعمى والبصير والأصم والسميع، ولا في الخُلُق، كالشجاع والجبان، ولا فيما أشبه ذلك من الأنصاف التي هم مختلفون فيها، وإنما المراد اختلاف آخر، وهو الاختلاف الذي بعث الله النبيين ليحكموا فيه بين المختلفين، كما قال تعالى: (( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ))  البقرة - 213، وذلك الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد به الإنسان أو يشقى في الآخرة والدنيا.
هذا هو المراد من الآيات التي كرر فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق".أهـ