حجية السنة النبوية ومكانتها في الشرع والتشريع

السنة النبوية المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع في الإسلام

قال الله تعالى في كتابه الكريم :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ )النساء{59 }.

وقال سبحانه) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) النساء{80} .

وقال عز شأنه :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ ) الحشر{7}.

وقال تعالى محذراً من مخالفة أمر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ) : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النور{63} .

وقال جل ذكره ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) النساء{65} .

السنة الشريفة والكتاب لا يتم الدين والتشريع إلا بهما ، وهي مبينة للكتاب وشارحة وموضحة ومفسرة ، تفصل مقاصده وتتم أحكامه.

منزلة السنة النبوية في الشريعة الإسلامية :

فالسنة تتبوأ منزلة عظيمة ومكانة سامية في الإسلام ..

فهي التطبيق العملي لما في كتاب الله تعالى ، توضح معانيه، وتشرح ألفاظه، وتفصل أحكامه، بل جاءت بأحكام ليست في كتاب الله ولم يُنَص عليها فيه، وهي لا تخرج عن قواعده وغاياته ، فلا يمكن الاستغناء عنها بحال وذلك لأهميتها العظمى في فهم دين الله تعالى .

وقد أوضح الأصوليون بيان السنة مع القرآن وأنها على ثلاثة أنواع :

- النوع الأول : أن تأتي مؤكدة لآيات من القرآن ومقررة لأحكامه ..

ومثاله: وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ، كقوله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:

)بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ( رواه البخاري .

فهذا الحديث مؤكد لما جاء في القرآن الكريم من أوامر بهذه الفرائض.

-النوع الثاني : أن تأتي مبينة لكتاب الله .

- قال سبحانه ) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل{44}.

وبيان السنة للقرآن يتمثل في عدة وجوه :

1 - بيان ما أجمله : فقد جاء الكثير من أحكام القرآن العملية مجملة فبينتها السنة ..

ومن ذلك أن الله تعالى أمر بأداء الصلاة من غير بيان لأوقاتها وأركانها وركعاتها فبينت السنة كل ذلك بفعل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وتعليمه لأصحابه كيفيتها وأمره لهم بأدائها كما أداها فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- ":صلوا كما رأيتموني أصلي " رواه البخاري .

وكذلك الزكاة والحج والصوم وأحكام الطهارة والذبائح والصيد والأنكحة وأحكام البيوع والجنايات والحدود وغير ذلك مما وقع في القرآن مجملاً وفصَّله النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- .

2 - تخصيص عامِّه : فقد ورد في القرآن الكريم أحكام عامة جاءت السنة بتخصيصها .

فمن ذلك قوله تعالى:) : ُيوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) النساء{11}‏ .

فهذه الآية عامة مطلقة في كل موروث ، فخصص -صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك بغير الأنبياء فقال -صلى الله عليه وآله وسلم- : " لا نورث ما تركنا صدقة " رواه البخاري.

3 - تقييد مطلقه : فقد ورد في القرآن أحكام مطلقة جاءت السنة بتقييدها .

من ذلك قوله تعالى : (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) النساء{11}‏.

فأمرت الآية بإخراج الوصية من مال الميت ولم تحدد مقدارها فجاءت السنة مقيدة للوصية بالثلث.

توضيح المشكل : أشكل على كثير من الصحابة فهم بعض الآيات فكان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يوضح لهم ما أشكل عليهم .

ومن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :

: " لما نزلت هذه الآية ) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام {82}، شق ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أينا لم يلبس إيمانه بظلم ، ففهم الصحابة أن المراد بالظلم في الآية عموم الظلم فقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فيدخل في ذلك ظلم الإنسان نفسه بتقصيره في بعض الحقوق فأزال -صلى الله عليه وآله وسلم- هذا الإشكال بأن الظلم ليس على عمومه وإنما المقصود منه أعظم أنواعه الذي هو الشرك بالله عز وجل.

النوع الثالث : أن تأتي السنة بأحكام زائدة على ما في القرآن فتوجب أمراً سكت القرآن عنه أو تحرم أمراً سكت القرآن عنه .

- ومن أمثلة هذا النوع الأحاديث التي تحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها ، وتحريم الحُمُر الأهلية ، و كل ذي ناب من السباع ، ورجم الزاني المحصن ، والمسح على الخفين ، وتبيين صلاتي الكسوف والخسوف ، والشفعة ، والمضاربة ، واللقطة ، وغير ذلك مما هو تشريع من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي أوجب الله طاعته.

وبهذا نتبين منزلة السنة ومكانتها في التشريع وأنه لا يمكن الاستغناء عنها بحال بل لا يمكن أن يفهم الكتاب دونها.

وأي دعوة لفصل أحدهما عن الآخر فهي دعوة ضلال وانحراف وهي في الحقيقة دعوة إلى هدم الدين وتقويض أركانه والقضاء عليه من أساسه.

الجانب الثاني وهو حجية السنة النبوية في الشريعة الإسلامية :

السنة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله ، ولا يمكن أن يكتمل دين الله ولا لشريعته أن تتم إلا بالأخذ بالسنة النبوية جنباً إلى جنب مع كتاب الله .

لذلك جاءت الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة تأمر بطاعته والتمسك بسنته ، وأجمعت الأمة على ذلك وقد سبقت بعض هذه الآيات في أول الإجابة وهناك آيات أخرى تنظر في الكتب المبسوطة وكذلك جاءت أحاديث موضحة لذلك، منها:

عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال : "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته- فراشه-، فيقول بيننا وبينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وان ما حرم رسول اللّه -صلى الله عليه وآله وسلم- مثل ما حرم اللّه".

واتفق علماء السلف منذ عهد الخلفاء الراشدين فمن بعدهم من الأئمة المجتهدين المشهود لهم على وجوب العمل بالسنة وأنها حجة في الدين .

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه :

: "" لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف أن فرض الله عز وجل إتباع أمر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- والتسليم لحكمه وأن فرض الله علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وأحد لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ""

ولما قيل له حين روى حديثاً أتذهب إليه فقال : "" أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ولم أقل به فهل تراني خرجت من كنيسة ، هل ترى على وسطي زناراً"".

واتفقوا على أن الأحاديث المتواترة -وهي ما يرويه جمع كثير عن جمع كثير من أول السند إلى منتهاه- حجة في العقيدة والشريعة، فإذا كانت قطعية الدلالة أخذها بظاهرها، أما إذا كانت ظنية الدلالة، فإنها تؤول بما يوافق قواعد الشريعة، وقطعياتها.

أما أحاديث الآحاد -وهي كل ما عدا المتواتر- فهي حجة في العمل، ويستأنس بها في العقيدة، ولكن لا يكفُر منكِرها.

أما من أنكر الأحاديث جملة، أو أنكر حجيتها مطلقاً فقد اتفق العلماء على تكفيره، وفي ذلك تفصيل، يرجع فيه إلى فتاوى الردة وشروطها -والله أعلم-.