زكاة الفطر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام خير دين، وجعلنا من أمة سيد المرسلين، سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ..

1- فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين.
قال إسحاق بن راهوية: إيجاب زكاة الفطر كالإجماع من أهل العلم.
قال برهان الدين ابن مفلح : والظاهر أن فرضها مع رمضان من السنة الثانية من الهجرة
وقال الماوردي: اختلف أصحابنا هل وجبت ابتداء بما وجبت زكاة الأموال، أو وجبت بغيره؟ على مذهبين:
أحدهما: وهو مذهب البصرين، أنها وجبت بغير ما وجبت به زكاة الأموال، وأن وجوبها أسبق لما روي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة ، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا".
2- وأضيفت هذه الزكاة إلى الفطر، لأنها تجب بالفطر من رمضان.
قال ابن قتيبة: وقيل لها فطرة، الفطرة الخلقة، ومنه قول الله جل وعز: "فطرة الله التي فطر الناس عليها". أي جبلته التي جبل الناس عليها، يراد أنها صدقة عن البدن والنفس، كما كانت الزكاة الأولى صدقة عن المال.
والحكمة من فرضها كما ورد في الحديث الأول: طهرة للصائم وطعمة للمساكين، فقد يحصل من الصائم ما يخدش صومه، ويقل من أجره، فتأتي هذه الزكاة لجبر هذا النقص.
قال وكيع: زكاة الفطر لرمضان كسجود السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم، كما يجبر السجود نقصان الصلاة.
وروي في الحديث "شهر رمضان معلق بين السماء والأرض، ولا يرفع إلى الله إلا بزكاة الفطر.
وهذه الحكمة تتعلق بالصائم نفسه، ولها حكمة اجتماعية  أخرى، وهي إطعام المساكين في يوم العيد، لإدخال البهجة والسرور إلى نفوسهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم".
3- اتفق الفقهاء على استحباب إخراج زكاة الفطر صبيحة يوم العيد، قبل الخروج للصلاة، بحدي ابن عمر رضي الله عنهما "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة" وليقع الإغناء بها في هذا اليوم.
واختلفوا في وقت وجوبها ، فذهب الحنفية والمالكية، في أحد القولين الصحيحين والشافعية في خلاف الأظهر إلى أن وقت وجوبها بطلوع فجر يوم العيد، وذهب الشافعية في الأظهر والحنابلة والمالكية في القول الآخر المصحح أيضا إلى أن وقت وجوبها بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان .
وسبب هذا الاختلاف اختلافهم في معنى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنه فرض زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين".
فتأول الفريق الثاني أن المراد بالفطر من رمضان الفطر بعد انقضاء شهر رمضان، أول ليلة من شوال.
وتأول الفريق الأول أن المراد به الفطر المنافي للصوم، وذلك لا يكون إلا بعد الفجر، وهو الأظهر، لأن الفطر بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان كالفطر بعد غروبها من سائر الأيام، فلا يقال أفطر من رمضان إلا لمن أفطر بعد الفجر من شوال.
ويؤيد هذا الرأي قوله صلى الله عليه وسلم "فطركم يوم تفطرون" أي وقت فطركم يوم تفطرون، خص وقت الفطر بيوم الفطر، حيث أضافه إلى اليوم، والإضافة للاختصاص، وبه تبين المراد من قوله صدقة الفطر، أي يوم الفطر.
وأعلم أنه لا اختلاف بينهم فيمن مات قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان أن الزكاة ساقطة عنه،
وكذا من ولد بعد طلوع الفجر من يوم الفطر لا زكاة عليه، ولا خلاف كذلك فيمن ولد قبل غروب الشمس.
من آخر يوم من رمضان، أو من مان بعد طلوع الفجر من يوم الفطر، فإنه تلزمهما الزكاة، واختلف فيمن ولد أو مات بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، وقبل طلوع الفجر من يوم الفطر، هل تجب عليه الزكاة أم لا؟ على مذهبين.
4- واتفقوا على أنه يجوز تعجيل الزكاة على يوم وجوبها، واختلفوا في مدة التقديم.
فذهب مالك وأحمد في المعتمد أنه لا يجوز تقديمها على يوم الفطر، إلا بيوم أو يومين، لأن التقديم بأكثر من ذلك مخالف لحكمة فرضها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، وسبب وجوبها الفطر، ولا يجوز تقديم الحم على سببه.
وأما جواز تقديمها بهذه المدة لما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال "كانوا يعطونها قبل الفطر بيوم أو يومين"  والضمير في كانوا يرجع إلى الصحابة الكرام رضي الله عنهم فكان  إجماعا، والتقديم بهذه المدة لا يخل بحكمه التشريع، وهذه المدة مقاربة ليوم الفطر، والقاعدة أن "ما قارب الشيء أعطي
حكمه".
وفي رواية عنهما يجوز تقديمها بثلاثة أيام، لما روي مالك عن نافع "أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يبعث زكاة الفطر إلى الذي يجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة" .
وقال بعض الحنابلة: يجوز تعجيلها في النصف الأخير من رمضان، كما يجوز تعجيل أذان الفجر، والدفع من مزدلفة بعد نصف الليل.
والمذهب عند الشافعية أنه يجوز تعجيلها في جميع رمضان، ولا يجوز قبله، وهو راية عن أحمد، وعن خلف بن أيوب من الحنفية كذلك، وصححه في البحر الرائق، وقال في الظهيرية وعليه الفتوى، لأن سبب الصدقة الصوم والفطر عنه، فإذا وجد أحد السببين جاز تعجيلها، كزكاة المال بعد ملك النصاب. والدليل على أن الصيام سبب الوجوب الحديث المتقدم في أول البحث "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم..الحديث" .
وعند الحنفية يجوز تقديمها، ولو قبل رمضان ولعدة سنين على الصحيح: لتحقيق سبب الوجوب، وهو رأس يمونه ويلي عليه، فصار كإخراج الزكاة بعد وجود النصاب.
5- سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسالة اختلافهم في السبب الموجب لزكاة الفطر، فقد ذهب المالكية والحنابلة إلى أن سبب وجوبها الفطر، واختار الشافعية كون الصوم والفطر سببين لزكاة الفطر، أما الحنفية فقالوا: إن سبب وجوبها هو راس يمونه ويلي عليه.
والظاهر أن هذه الأسباب مجتمعة هي سبب الوجوب والله أعلم.
قال القرافي: سبب الوجوب، وقد اعتبر الشرع في أمرا، وهو الوقت، وفي تعينه أقوال وأمور خاصة، وهي القرابة، والملك والنكاح، ولما كانت الثلاثة أسباب للنفقات، كانت أسبابا للزكوات عن المنفق عليه، بجامع الحق المالي، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "أدوا الزكاة عمن تمونون".
واعتبر أيضا غير هذه، وهو تطهير الصائم من رفث صومه وقد روي ذلك في الحديث، ولهذا المعنى وجبت على الإنسان عن نفسه ليطهرها من رفثه، ولم تجب عن عبيده الكفار، لأنهم ليسوا أهلا للتطهير.
ولا أرى وجها لقول من قصر سببها على الفطر وحدها، لمخالفة الاجماع لذلك، وهو تجويز تقديمها على يوم الفطر بوم ويومين، ولا يجوز تقديم الحكم على سببه بالإجماع.
قال أبو بكر بن العربي: اسمها صدقة الفطر على لسان صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، أضافها للتعريف.
وقال قوم: إنها سبب وجوبها.
وأنا أقول: إلى وقعت وجوبها. وسبب وجوبها ما يجري في الصوم من اللغو، والدليل على صحة ما اخترناه حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين".
وقد تضاف إلى الشهر فيقال زكاة رمضان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وكلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام.. وذكر الحديث".
ويصخ أن يقال فيها زكاة الصوم فإنها طهر له، وزكاة رمضان لأنه محل الصيام، وزكاة الفطر، لأنه وقتها الذي يظهر فيه وجوبها.
ولا وجه لمن قيد جواز تقديمها بيوم أو يومين فقط، لأنه ليس في الحديث المستشهد به المنع عن تقديمها بأكثر من ذلك، بل غاية ما يدل عليه أنهم كانوا يخرجونها قبل يوم الفطر.
قال ابن حجر الهيثمي: وله تعجيل الفطرة من أول شهر رمضان، للاتفاق على جوازه بيومين، فالحق بهما البقية، إلا لا فارق، ولوجوبها بسببين الصوم والفطر، وقد وجد أحدهما .والرد على هؤلاء رد على
من قال بجواز تقديمها بثلاثة أيام أو في العشر الأواخر، أي النصف الأخير منه.
أما قول الحنفية بجواز تقديمها ولو لسنين، فمخالف لحكمة تشريعها، وقو قوله صلى الله عليه وسلم "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم".
وكذلك مخالف لقواعد العبادات المؤقتة، فهاهم أولاء يقولون بأن سبب الحج هو البيت، ومع ذلك لا يجيزون تقديم المناسك على أيامها.
ولا نقرهم أن سبب الوجوب هو رأي يمونة ويتولى عليه وحده، بل هو مجموع الأسباب الثلاثة.
وكل حق مالي تعلق بسببين جاز تقدميه على أحدهما، لا عليهما، فإن كان له ثلاثة أسباب لم يجز تقديمه على اثنين منهما . كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
وعلى هذا أرى والله أعلم أن أصح هذه الآراء هو رأي الشافعية، بأنه يجوز تقديم زكاة الفطر من أول رمضان، لا قبله، لتوفر ببين من أسبابه الثلاثة وهما: رأس يمونة، ودخول رمضان.
وقد وافقهم على هذا الرأي كما مر أحمد في رواية، وكثير من أئمة الحنفية، بل عده ابن نجيم وابن ملك وصاحب الفتاوي الظهيرية وغيرهم هو المفتي به، وعلي العمل.
6- وعند جمهور العلماء يحرم تأخيرها عن يوم العيد، ويلزمه قضاءها.
وحكي عن بعض السلف الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد وقال الحسن بن زياد من الحنفية وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره، وإذا لم يؤدها حتى مضي اليوم سقطت والرد علي من قال بجواز
تأخيرها عن يوم العيد في قوله صلى الله عليه وسلم "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم".والرد على الحسن بن زياد في قوله صلى الله عليه وسلم "دين الله أحق بالقضاء" .
قال ابن حزم: فمن لم يؤدها حتى خرج وقتها فقد وجبت في ذمته وماله، وحرم إمساكها في ماله، فوجب عليه أداؤها أبدا.
وذهب جمهور العلماء إلى كراهة تأخيرها عن صلاة العيد، وقال ابن حزم بحرمته.
ودليهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".
قال ابن حجر: ومما يدل على كون الأمر ندبا حديث الحسن "من أداها قبل الصلاة .. الحديث".
قال الملا علي القاري: ويؤكد كون الأمر للندب جواز التقديم أيضا.
وعلى هذا فمن نسي إخراج زكاة الفطر، أو لم يتمكن من إخراجها في موعدها، لسبب من الأسباب
المشروعة، دون تقصير منه، فإنه لا يكون آثما، لقوله صلى الله عليه وسلم "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، ولكن يجب عليه القضاء لقوله صلى الله عليه وسلم "دين الله أحق بالقضاء"، ويكون القضاء فورا عند التمكن لقوله صلى الله عليه وسلم "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا
ذكرها".
والمقصود بالفور الفور العادي، بحيث لا يعد مفرطا، لا الحال الحقيقي، لأنه صلى الله عليه وسلم قال يوم الوادي، عندما غلبته عيناه "ارتحلوا، فإن هذا واد به شيطان، فسار بهم قليلا، ثم نزل فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى بهم الصبح".
وبشرط ألا يتضرر بالفورية في بدنه، في معيشة يحتاجها.
7- اتفق الفقهاء على وجوب الفطرة على الأحرار المسلمين.

أما اختصاصها بالمسلمين فلما روى ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر في رمضان على الناس، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين، وللبخاري "والصغير والكبير من المسلمين". ولأنها قربة وطهرة، والكافر ليس من أهلها. وأما الرقيق فلا فطرة عليه، لأنه لا يملك، ولو ملك لا يتحقق منه التمليك .
واختلفوا في وجوبها على المرتد، فذهب الشافعي والحنابلة إلى أنها لا تسقط عن المرتد، إذا وجبت عليه حال إسلامه ، لأنها حق مالي، فلا تسقط بالردة كالدين، فأخذها الإمام من ماله،كما يأخذ الزكاة من المسلم الممتنع، فإن اسلم بعد ذلك لم يلزمه أداؤها.
وذهب الحنفية والمالكية إلى أنها تسقط بالردة، الزكاة الواجبة في مال المرتد قبل ردته. قال ابن عابدين: فلا زكاة على كافر لعدم خطابه بالفروع، سواء كان أصليا أو مرتدا، فلو أسلم المرتد لا يخاطب بشيء من العبادات أيام ردته، ثم كما شرط للوجوب الإسلام شرط لبقاء الزكاة عندنا، حتى لو ارتد بعد وجوبها عليه، وإلا فلا، وهذا مخالف لمذهب الجمهور .
والذي يظهر لي والله أعلم رجحان مذهب الجمهور في عدم إلزام المرتد بزكاة الفطر حال ردته، لأن الإسلام شرط بوجوبها باتفاق، وهو كافر، ولأنها طهرة للمزكي، وهو ليس من أهلها.
وأما من وجبت عليه، ثم ارتد، فأرى أنها دين في ذمته فلا تسقط، ويأخذها الإمام من ماله، كما يأخذه من المسلم الممتنع، ولا يلزمه أداؤها بعد الإسلام.
وإن أداها حال ردته لم تجزه، كالصلاة، لأنه كافر، فلا تصح منه النية والله أعلم.
8- وليس من شرط زكاة الفطر الغنى عند جمهور الفقهاء، ولا يشترط ملكه النصاب، بل كل من وجد فضلا عن قوته وقت عيلاه ليلة العيد ويومه، وجب عليه إخراج الزكاة. وقال أبو حنيفة وأصحابه، لا تجب على من تجوز له الصدقة، وهو من لا يملك نصابا .
واستدل الجمهور بقول ابن عمر رضي الله عنهما "فرض رسول الله زكاة الفطر من رمضان على الناس". وهذا عام، يعم الغني والفقير.
وفي بقية الحديث السابق "عن كل ذكر وأنثى، صغير أو كبير، حر أو عبد".
قال الإمام المازي: "في قوله صلى الله عليه وسلم" على الناس "حجة للكافة في وجوبها على الحضري والبدوي، والغني والفقير، لأنها زكاة بدون مال.
ويعضد هذا الفهم قوله صلى الله عليه وسلم "أدوا صدقة الفطر صاعا من قمح، أو قال من وبر، عن كل إنسان، صغير أو كبير، حر أو مملوك، غني أو فقير، ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فير الله عليه أكثر مما أعطى".
قال الخطابي: وفيه بيان أنها تلزم الفقير، إذا وجد ما يؤديه. ألا تراه يقول "وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطي"، فقد أوجب عليه أن يؤديها عن نفسه، مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره".
ولأنها حق في مال لا يزيد بزيادة المال، فوجب ألا يعتبر فيها وجود النصاب قياسا على الكفارات .

واستدل الحنفية بقوله صلى الله عليه وسلم "لا صدقة إلا عن ظهر غني، واليد العليا خير من السفلى، وأبدا بمن تعول".
جاء في حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: ذكر في مجازات الآثار النبوية أن هذا القول مجاز، لأن المراد بذلك أن المتصدق إنما وجب عليه الصدقة، إذا كانت له قوة من غني. والظهر هاهنا كناية عن القوة فكان المال للغني بمنزلة الظهر، الذي عليه اعتماده، واليه استناده.
وبقوله صلى الله عليه وسلم "إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم" فجعل الغني مأخوذا منه، والفقير مردودا عليه، فلم يجز أن يجعل الفقير مأخوذا منه، ما لك يجز أن يجعل الغني مردودا عليه.
ولأنها صدقة تكرر بالحول، فوجب أن يراعي فيها النصاب كسائر الصدقات..
ولأنها تحل له الصدقة باسم الفقر، فوجب أن لا تلزمه صدقة الفطر، كمن لم يفضل من قوته شيء .

والراجح والله أعلم مذهب الجمهور لقوة أدلتهم، وخصوصها في زكاة الفطر، أما أدلة الحنفية فعامة.
قال الشوكاني: ويعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت يوم وليلة: لما تقدم من أنها ظهرة للصائم، ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك. ويؤيد ذلك تفسيره صلى الله عليه وسلم من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغذه ويعيشه". وهذا هو الحق، لأن النصوص أطلقت، ولم تخص غنيا ولا فقيرا، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقادر، الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا له، لا سيما العلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير، وهي التطهر من اللغو والرفث، واعتبار كونه واجدا لقوت يوم وليلة أمر لابد منه، لأن المقصود من شرع الفطرة إناء الفقراء في ذلك اليوم عن المسألة، فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره.
قال الدكتور القرضاوي: والذي أراه أن للشارع هدفا أخلاقيات تربويا - وراء الهدف المالي من فرض هذه الزكاة على كل مسلم غني وفقير. ذلك هو تدريب المسلم على الإنفاق في الضراء، كما ينفق في السراء، والبذل ف العسر، كما في اليسر. ومن صفات المتقين، التي ذكرها القرآن "ينفقون في السراء
والضراء".
وبهذا يتعلم المسلم، وإن كان فقير المال، رقيق الحال، أن تكون يده العليا، وأن يذوق لذة الإعطاء والإفضال على غيره، ولو كان ذلك يوما في كل عام.
9- وشرط الجمهور لإيجاب هذه الزكاة على الفقير أن يكون عنده مقدارها فاضلاعن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وأن يكون فاضلا عن مسكنه ومتاعه وحاجاته الأصلية. فمن كان له دار يحتاج إليها لسكناها أو إلى أجرها لنفقته، أو ثياب بذلة له أو لمن تلزمه مؤنته، أو بهائم يحتاج إلى ركوبها والانتفاع بها في حوائجه الأصلية، أو سائمة يحتاج إلى نمائها، أو بضاعة يختل ربحها الذي يحتاج إليه بإخراج الفطرة منها فلا قطرة عليه، لأن هذا مما يتعلق به حاجته الأصلية، فلم يلزمه بيعه كمؤنة نفسه، ولمن له كتب يحتاج إليها للنظر فيها والحفظ منها لا يلزمه بيعها. والمرأة إذا كان لها حلي للبس  أو لكراء تحتاج إليه، لم يلزمها بيعه في الفطرة. وما فضل من ذلك ومن حوائجه الأصلية. وأمكن بيعه وصرفه في الفطرة وجبت الفطرة به؟ لأن أمكن 151 أداؤها من غير ضرر، فأشبه مالو ملك من طعام ما يؤديه فاضلا عن حاجته.
والقدرة على الكسب مع إسعاره لا تخرج عن الإعسار.
10- ومن كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر، وعليه دين مثله، لزمه أن يخرج الصدقة إلا أن يكون مطالبا بالدين، فعليه الدين ولا زكاة عليه.
قال ابن قدامة: إنما لم يمنع الدين الفطرة، لأنها أكد وجوبا، بدليل وجوبها على الفقير، وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها، ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره، ولا تتعلق بقدر من المال، فجرت مجرى النفقة. ولأن زكاة المال تجب بالملك، والدين يؤثر في الملك فأثر فيها، وهذه تجب على البدن، والدين لا يؤثر فيه، وتسقط الفطرة عند المطالبة بالدين، لوجوب أدائه عند المطالبة، وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالإعسار، وكونه أسبق سببا وأقدم وجوبا يأثم بتأخيره، فإنه يسقط غير الفطرة، وإن لم يطالب به، لأن تأثير المطالبة إنما هو في إلزام الأداء وتحريم التأخير.
11- ومن قدر على بعض الزكاة، هل يلزمه إخراجه؟
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب إخراجه، لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم".
ولأنها طهرة، فوجب منها ما قدر عليه، كالطهارة بالماء، ولأن الجزء من الصاع يخرج عن العبد المشترك، فأجاز أن يخرج عن غيره، كالصاع.
ذهب أحمد في رواية  وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يلزمه إخراجه، كالكفارة، التي لا يلزم إخراج بعضها.
والذي اختار رأي الجمهور، لظهور أدلتهم، ولن الكفارة تفارق الفطرة، في أن الأولى يرجع فيها إلى بدل، فلم يلزمه إخراج بعضها، بخلاف الفطرة، لا يرجع فيها إلى بدل، فلزمه إخراج بعضها.ولأن الزكاة يجوز تبعيضها، كما في العبد المشترك، بينما الكفارة لا تتبعض، فافترقنا والله أعلم .
12- ولا يجب أن يقترض ليدفع الفطرة، خلافا لمذهب المالكية في المعتمد أنه يجب عليه أن يقترض إذا وجد من يقرضه، وكان يرجو القضاء لأنه قادر حكما.
قال تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها". وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
13-ولا يمتنع أن تؤخذ منه الزكاة ويعطي منها، كمن وجب عليه العشر.
قال الشافعي: ولا باس أن يأخذها بعد أدائها، إذا كان محتاجا، وغيرها من الصدقات المفروضات والتطوع.

قال الماوردي: لا يجوز أن يأخذها بعينها، لأنه يمنع من عود الصدقة إلى مخرجها، كما يمنع من ابتياعها.

وهذا خطأ لمعنيين:
أحدهما: أنها قد صارت ملكا لآخذها كسائر أمواله، فلما جاز أن يأخذ غيرها من ماله، جاز أن يأخذها بعينها من ماله، لأن كل ذلك في ملكه، ومن جملة ماله.
والثاني: أنه أعطى لمعنى، وهو القدرة، وأخذها بمعنى غيره، وهو الحاجة، فلم يكن وجوب الإعطاء مانعا من جواز الأخذ، كما لو عادت إليه بإرث.
وعن أحمد روايتان كالمذهبين، والمعتمد الرواية الموافقة لمذهب الشافعي، وهذا الذي اختاره والله أعلم.
14-واتفق الفقهاء على أنه تجب على المرء في نفسه، وولده الصغار، إذا لم يكن لهم مال، وكذلك في عبيده، إذا لم يكن لهم مال. واختلفوا فيما سوى ذلك.
أما الولد الصغير إذا كان له مال، فالجمهور على أن فطرته في ماله، وقال محمد بن الحسن هي على الأب، وإن أعطاها من مال الابن فهو ضامن.
ومذهب الجمهور أن الجد يقوم مقام الأب في ذلك، وقال محمد بن الحسن: لا تلزم الجد فطرته، لأن ولاية الجد قاصرة، لأنها لا تثبت إلا عند فقد الأب، فأشبهت ولاية الوصي. واستدل الجمهور بما روي عن ابن عمر رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، ممن تمونون".
ولأن نفقته واجبة على الأب إذا كان فقيرا، أما إذا كان غنيا فنفقته في ماله، فكذلك زكاته.
والجد أب في القرآن، وفي لغة العرب، قال تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم" .
قال الماوردي: فسماه أبا، وإن كان جدا بعيدا لقيام الجد مقام الأب في الولاية والنفقة والذي اختاره
رأي الجمهور في المسألتين، لظهور أدلتهم والله أعلم.
قال السرخسي: القول بوجوب زكاة الفطر في مال الصغير إن كان غنيا استحسان، لما فيها من معنى
المؤنة، بدليل الوجوب على الغير، فهو كالنفقة، ونفقة الصغير في ماله، إذا كان له مال. ثم هذه طهرة شرعية، فتقاس بنفقة الختان، وهذا لأنا لو لم نوجب عليه احتجنا إلى الإيجاب على الأب، فكان في الإيجاب في ماله حفظ حق الأب، وهو إسقاط عنه، ومال الصبي يحتمل حقوق العباد، وبه فارق الزكاة.
وقال أيضا في تعليل إيجابها على الجد: ولاية الجد عند عدم الأب ولاية متكاملة، وهو يمونهم، فيتقرر السبب في حقه.
أما الأبناء الكبار فإن كانوا أغنياء فلا خلاف في أن فطرتهم في أموالهم، ويجوز للأب أن يدفع عنهم
بإذنهم، غير أن الحنابلة في المعتمد يرون أنه إذا تطوع الأب بنفقتهم طوال شهر رمضان، فإن فطرتهم تلزمه.
وأما إذا كانوا فقراء عاجزين عن الكسب فمذهب الجمهور أنه تلزم الأب فطرتهم، تبعا لنفقتهم، ومذهب الحنفية أنه لا تلزمه فطرتهم، وإن لزمته النفقة.
ودليل الحنفية أنه لا ولاية للأب عليهم، وبهذا يكون قد إنعدم أحد شطري السبب.
واستدل الجمهور بقول النبي صلى الله عليه وسلم "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون" .
والذي اختاره مذهب الجمهور والله أعلم..
قال القرافي: لنا قوله صلى الله عليه وسلم "عممن تمونون من المسلمين" وبالقياس على النفقة. ووصف الولاية باطل طردا وعكسا، لأن المجنون الفاسق لا ولاية لهما، مع وجوب الزكاة في مالهما، والحاكم له الولاية، ولا زكاة عليه.
وأما ولده الفقير القادر على الكسب فيرى الجمهور أنه لا تلزمه فطرته، خلافا للحنابلة  والذي يترجح لدى رأي الجمهور، لأنه يعتبر متبرعا، ولا تلزم الفطرة التبرع والله أعلم.
قال ابن قدامة: واختار أبو الخطاب من الحنابلة أنه لا تلزمه فطرته أي من تبرع بمؤنته، لأنه لا تلزمه مؤنته، فلم تلزمه فطرته، كما لو لم يمنه. وهذا قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى،
وكلام أحمد في هذا محمول على الاستحباب، لا على الإيجاب، والحديث محمول على من تلزمه مؤنته، لا على حقيقة المؤنة، بدليل أنه تلزمه فطرة الآبق، ولم يمنه، ولو ملك عبدا عند الغروب، أو تزوج، أو ولد له ولد، لزمته فطرتهم، لوجوب مؤنتهم عليه، وإن لم يمنهم .
وعند مالك تلزم الأب فطرة بناته إلى أن يدخل بهن الزوج، أو يدعين إليه، لأن الأب تلزمه نفقة بناته إلى الدخول بهن.
والجمهور على أن حكم البنت كحكم الولد في النفقة والفطرة.
والذي يظهر لي رجحان مذهب الجمهور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ولم يفرق بين ذكر وأنثى والله أعلم.
15- ومذهب الجمهور أن الولد ملزم بفطرة والديه الفقيرين، تبعا لنفقتهما، وذهب الحنفية إلى أنه ملزم بفطرتهما، وإن كانا في عياله، لعدم ولايته عليهما.
والذي اختاره مذهب الجمهور، لقوله صلى الله عليه وسلم "عمن تمونون من المسلمين" والله أعلم.
ويشمل الولدان الأجداد والجدات، وإن علوا.

وهل يلزم بإخراج فطرة زوجة أبيه الفقير؟
مذهب الحنفية والشافعية أنه غير ملزم بفطرتها، لأن نفقتها لازمة للأب، ومع إعساره يتحملها الولد بخلاف الفطرة، ولأن عدم الفطرة لا يمكن الزوجة من الفسخ بخلاف النفقة. ومذهب المالكية والحنابلة أنه ملزم بفطرتها تبعا للنفقة.
والذي اختاره مذهب الحنفية والشافعية، لعدم الدليل، ولأن سبب الوجوب وجوب النفقة، وهي غير واجبة، هنا بالأصالة، فكذا فطرتها والله أعلم.
وعند الجمهور لا تلزمه فطرة أي قريب سوى الأصول الفروع، لعدم لزوم نفقتهم، ومذهب الحنابلة لزوم فطرتهم إذا لزمت نفقتهم. وتلزم عندهم النفقة للوارث إذا لم يكن محجوبا بمن هو أقرب منه.
والراجح في المسالة مذهب الجمهور، لعدم لزومه نفقة الأقارب سوى من ذكرنا، ودليلنا في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أنه جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، عندي دينار، قال أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر، قال أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر، قال: أنفقه على خادمك، قال عندي آخر، قال: أنت أعلم".
قال الماوردي: فكان هذا الحديث متوجها إلى بيان الأسباب التي تستحق بها النفقة، ولم يذكر سبب ذوي الأرحام، ولا العصابات ولا الورثة.
16-واختلف العلماء في إلزام الزوج بفطرة زوجته المسلمة، والجمهور على أنها واجبة عليه سواء كانت غنية أم فقيرة، خلافا للحنفية، الذين قالوا تجب في مالها.

ودليل الجمهور ما يلي:
1- قوله صلى الله عليه وسلم "أدوا الزكاة عمن تمونون من المسلمين". والزوجة ممن تلزمه مؤنتها، فوجب ان تلزمه زكاة فطرها.
2- لأن النكاح سبب تجب به النفقة، فوجبت به الفطرة، كالملك والقرابة.
3- لأن كل حق جاز أن يتحمل بالنسب، جاز أن يتحمل بالزوجية، النفقة.

واستدل الحنفية بما يلي:
1- قوله صلى الله عليه وسلم "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان على الناس إلى أن قال: ذكر أو أنثى من المسلمين. وكان عموم هذا متناولا للزوجات، كما كان متناولا للأزواج.
2- أن شرط تمام السب كمال الولاية،  وولاية الزوج عليها ليست كاملة، فلم يتم السبب  والذي اختاره مذهب الجمهور، لظهور أدلتهم.

والجواب على أدلة الحنفية:
1- أما استدلالهم بالحديث فغير مسلم، لأنه منتقض بالعبد والولد الصغير، فما كان جوابهم في ذلك فهو جوابنا في هذا.
ثم إن الحديث مجمل قد فسره الحديث الآخر "أدوا الزكاة عمن تمونون".
2- واشترط كمال الولاية لوجوب الفطرة محل النزاع، فلا يمكن الاحتجاج به على الخصم، والله أعلم.
وفي معنى الزوجة المطلقة الشرعية، والبائن إذا كانت حاملا، دون ما إذا كانت حائلا. أما الناشز فلا فطرة لها على الزوج، لسقوط نفقتها.
وإن أعسر الزوج بفطرة زوجته لم يجب عليها شيء عند المالكية والشافعية، وأوجبها الحنابلة على الزوجة نفسها، كالنفقة.
والراجح المذهب الأول، لأنها لم تجب على من وجد سبب الوجوب في حقه لعسرته، فلم تجب على غيره، كفطرة نفسه، تفارق النفقة، فإن وجوبها أكد، لأنهاه مما لابد منه، وتجب على المعسر والعاجز، ويرع عليها بها عند يساره، والفطرة بخلافها. والله أعلم.
17-ولا يجب إخراج زكاة الفطر عن الجنين، وشذ ابن حزم في ذلك.
قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه من علماء الأمصار لا يوجب على الرجل زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه.
واستحب أحمد بن حنبل إخراجها عنه(98).
ومن استأجر أجيرا بطعامه(كالخادم، والسائق، ومن أشبههما) لم تجب عليه إخراج زكاة الفطر عنهم، لأن المؤنة من أجرته.
قال ابن قدامة: وإن استأجر خادما فليس عليه نفقته ولا فطرته، سوءا شريط عليه مؤنته أو لم يشرط، لأن المؤنة إذا كانت أجرة فهي من مال المستأجر، وإن تبرع بالإنفاق على من لا تلزمه نفقته، فحكمه حكم من تبرع بالإنفاق على أجنبي(99).
وكذا لا يجب على من تبرع بمؤنة أحد، ككافل اليتيم، وكافل طالب العلم، أو كافل أسرة لا عائل لها، لا
يجب عليه أن يخرج عنهم زكاة الفطر، خلافا للحنابلة في المعتمد (100).
18-ويقدم نفسه في إخراج زكاة الفطر، إذا لم يجد منها إلا ما يخرجه عن شخص واحد: لقوله صلى الله عليه وسلم "ابدأ بنفسك"(101).
قال ابن قدامة: وإذا لم يفضل إلا صاع أخرجه عن نفسه، لقوله عليه السلام: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" (102). ولأن الفطرة تنبني على النفقة، فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة. فإن فضل آخر أخرجه عن امرأته، لأن نفقتها أكد، فإنها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار، ونفقة الأقارب صلة تجب مع اليسار دون الإعسار. فإن فضل آخر، أخرجه عن رقيقه، لوجوب نفقتهم في الإعسار، فإن فضل آخر أخرجه عن ولده الصغير، لأن نفقته منصوص عليها ومجمع عليها. وفي الوالد والولد الكبير وجهان، أحدهما، يقدم الولد، لأنه كبعضه. الثاني، الوالد، لأنه كبعض والده. وتقدم فطرة الأم على فطرة الأب، لأنها مقدمة في البر، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي لما سأله: من أبر؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك: قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أباك" (103) ولأنه ضعيفة عن الكسب. ويحتمل تقديم فطرة الأب لقول النبي صلى الله عليه وسلم "أنت ومالك لأبيك"(104)، ثم الجد
(105).
19-والأفضل عند جمهور العلماء أن يلي تفرقة زكاته بنفسه، ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقيها.

ويجوز أيضا التوكل فيها.
قال الإمام أحمد: أعجب إلى أن يخرجها بنفسه، وأن دفعها إلى السلطان يعني فهو جائز ولا يجزي إخراج الزكاة إلا بنية، لقوله الني صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات (106) وأداؤها عمل، ولأنها عبادة تتنوع إلى فرض ونفل، فافتقرت إلى النية كالصلاة.
وحكي عن الأوزاعي، وهو رأي لبعض المالكية أنها لا تحتاج إلى نية، لأنها دين على صاحبها، وأداء الدين لا يحتاج إلى نية. وهم محجوبون بالحديث.
ومعنى النية المشترطة أن يقصد بقلبه أن ما تخرجه من زكاة الفطر(107).
وينوي عند دفعها إلى الإمام أو مستحقها، أو قبل الدفع بقليل، فإن نوى بعد الدفع لمن يجزئه عند الجمهور.

وقال الحنفية شرط الإجزاء مقارنة النية للأداء ولو حكما، كما لو دفع بلا نية، ثم نوى والمال لا يزال قائما في ملك الفقير، بخلاف ما إذا نوى بعدها استهلكه الفقير أو تصرف فيه، فلا تجزئ حينئذ (108).
وقال الحنفية والمالكية والشافعية: إن عزل الزكاة عن ماله، ونوى عند العزل أنها زكاة كفى ذلك، ولو لم ينو عند الدفع.

قال ابن عابدين: لن الدفع يتفرق، فيتحرج باستحضار النية عند كل دفع، فأكتفي بذلك للحرج(109).
ويجوز التوكيل في إخراج الزكاة وإن دفع الزكاة إلى وكيله ناويا أنها زكاة كفى ذلك، والأفضل أن ينوي الوكيل أيضا عند الدفع إلى المستحقين، ولا يكفي نية الوكيل وحده(110).
قال النووي: قال أصحابنا لو أخرج إنسان الفطرة عن أجنبي بغير إذنه لا يجزئه بلا خلاف، لأنها عبادة فلا تسقط عن المكلف بها بغير إذنه. وإن أذن فأخرج عنه أجزائه، كما لو قال لغيره أقض ديني، وكما لو وكله في دفع زكاة ماله، وفي ذبح أضحيته. ولو كان للإنسان ولد صغير موسر، بحيث لا يلزمه فطرته، فأخرج الأب فطرة الولد من مال نفسه جاز بلا خلاف، صرح به القاضي أبو الطيب والماوردي ولابندنيجي والبغوي والأصحاب، لأنه يستقل بتمليك ابنه الصغير. ولو كان كبيرا رشيدا لم يجز إلا بإذنه، لأنه لا يستقل بتمليكه، والجد كالأب، والمجنون كالصبي.
قال الماوردي والبغوي لو أخرج الولي فطرة الصبي والمجنون من مال نفسه تبرعا، فإن كان أبا أو جدا جاز، وكأنه ملكه ذلك، ثم تولى الأداء عنه مما ملكه، وإن كان وصيا أو قيما لم يجز إلا بإذن القاضي، فإن أذن جاز، ويصير بالإذن كأن الصبي تملك منه، ثم أذن له في الإخراج. وكل هذا متفق عليه عند
أصحابنا(111).
وعلى هذا، لا يجوز للمؤسسات الزكوية صرف زكاة الفطر بمبالغ مقدرة متوقع تحصلها، ثم حسمها من زكاة الفطر التي تدفع من قبل الناس بعد ذلك، وحسابها زكوات عنهم، لأنه لم يتوفر في هذا العمل التوكيل من قبل الناس، ولا النية من قبل الموكل.

جاء في الموسوعة الفقهية:
دين الله المالي المحض كالزكاة و الكفارات والصدقات تجوز فيه النيابة عن الغير سواء أكان من هو ي ذمته قادرا على ذلك بنفسه أم لا، لأن الواجب فيها إخراج المال، وهو يحصل بفعل النائب، وسواء أكان الأداء عن الحي أم الميت، إلا أن الأداء عن الحي لا يجوز إلا بإذنه باتفاق، وذلك للافتقار في الأداء إلى النية، لأنها عبادة لا تسقط عن المكلف إلا بإذنه. أما بالنسبة للميت فلا يشترط الإذن، إذ يجوز التبرع بأداء الدين عن الميت وهذا في الجملة (112).
وحتى على مذهب الأوزاعي ومن وافقه فإنه لا يجوز للمؤسسات الزكوية إخراج الزكاة مسبقا عن الناس، ثم حسم هذه المبالغ من الزكاة المحصلة بعد ذلك، لعدم ثبوت هذا الدين في ذمة المخرج عنه، لأن الفطرة لا تثبت في الذمة إلا بطلوع فجر العيد، على ما رجحنا أو بغروب شمس آخر يوم من رمضان على المذهب الآخر.
فكيف يجوز للمؤسسات الزكوية أن تؤدي دينا لم يثبت بعد؟ ثم يشترط لصحة أداء الدين عن الغير معلومية المؤدي عنه الدين، بينما المؤسسات الزكوية تؤدي ديونا عمن لا تعرفه . وعلى هذا لا يجوز
للمؤسسات الزكوية صرف مبالغ زكاة الفطر مسبقا ثم استيفاء هذه المبالغ من الزكوات المحصلة والله أعلم.

20- والمؤسسات الزكوية في البلاد الإسلامية إما أهلية وهي الغالبة، وإما رسمية، والثاني نائبة عن الإمام في جمع الزكوات، أما الأهلية وإن كانت مأذونة من الحاكم فهي متطوعة فتعتبر وكيلة عن المزكي.
وسواء أكانت المؤسسة الزكوية رسمية أم أهلية فليس لها أن تتصرف في مال الزكاة تصرفا يخرجه عن طبيعتها قبل إيصاله إلى مستحقيه.
قال الإمام النووي: قال أصحابنا لا يجوز للإمام ولا للساعي بيع شيء من مال الزكاة من غير ضرورة، بل يوصلها إلى المستحقين بأعيانها، لأن أهل الزكاة أهل رشد لا ولاية عليهم، فلم يجز بيع مالهم بغير أذنهم. فإن وقعت ضرورة بأن وقف عليه بعض الماشية، أو خاف هلاكه، أو كان في الطريق خطر، أو احتاج إلى رد جبران، أو إلى مؤنة النقل، أو قبض بعض شاة و ما أشبهه، جاز البيع للضرورة، كما سبق في آخر باب صدقة الغنم أنه يجوز دفع القيمة في مواضع للضرورة. قال أصحابنا ولو وجبت ناقة أو بقرة أو شاة واحدة فليس للمالك بيعها، وتفرقة ثمنها على الأصناف بلا خلاف، بل يجمعهم ويدفعها إليهم، وكذا حكم الإمام عند الجمهور، وخالفهم البغوي فقال: إن رأي الإمام ذلك فعله، وإن رأى البيع و تفقرة الثمن فعله، والمذهب الأول. قال أصحابنا وإذا باع في الموضع الذي لا يجوز فيه البيع فالبيع باطل ويسترد المبيع فإن تلف ضمنه والله أعلم.
وقال إمام الحرمين في الأساليب: المعتمد في الدليل لأصحابنا أن الزكاة قربة لله تعالى، وكل ما كان كذلك فسبيله أن يتبع فيه أمر الله تعالى.
ولو قال إنسان لوكيله اشتر ثوبا، وعلم الوكيل أن غرضه التجارة، ولو وجد سلعة هي أنفع لموكله لم يكن له مخالفته، وإن رآه أنفع، فما يجب لله تعالى أولى بالاتباع. وعلى هذا نلفت نظر القائمين على المؤسسات الزكوية إلى أنه لا يجوز لهم أن يتصرفوا فيما يدفع لهم من أموال زكاة فطر، فيشتروا بها طعاما أو لباسا أو غيرهما، بل يوصلون إليهم ما يدفعه المزكون. وإنما لهم التصرف بعد عرض المسألة على هيئة شرعية، فيما يكون في حدود الضرورة.
وتنزل الحاجة منزلة الضرورة، للقاعدة الفقهية القائلة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة".
قال ابن قدامة: وإذا أخذ الساعي الصدقة، واحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفه في نقلها أو مرضها أو نحوهما، فله ذلك، لما روي عن قيس بن أبي حازم، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء ، فسأل عنها؟ فقال المصدق: إني ارتجعتها بإبل. فسكت. رواه أبو عبيد، في
الأموال، وقال الرجعة أن بيعها، ويشتري بثمنها مثلها أو غيرها. فإن لم يكن حاجة إلى بيعها، فقال القاضي: لا يجوز، والبيع باطل، وعليه الضمان، ويحتمل الجواز، لحديث قيس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سكت حين أخبره المصدق بارتجاعها، ولم يستفصل.
21-  إذا قبض الساعي الزكاة يفرقها على مستحقيها من أهل البدل، التي جمعها فيها إن كان الإمام أذن له في تفريقها، فلا ينقلها إلى أبعد من مسافة القصر، إلا أن يستغني عنها فقراء البلد، وقد ورد أن عمر بعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، فبعث إليه من الصدقة، فقال له: إني لم أبعثك جابيا، ولا آخذا جزية، ولكن بعثك لتأخذ من أغنياء الناس فترد في فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني.
وليس للساعي أن يأخذ من الزكاة لنفسه على أنه أحد أصناف الزكاة، كما لو كان غارما أو فقيرا، ولا يأخذ إلا ما أعطاه الإمام على ما صرح به المالكية، لأنه يقسم فلا يحكم لنفسه.
وإذا تلف من مال الزكاة شيء في يد الإمام أو الساعي ضمنه إن كان ذلك بتفريط منه، بأن قصر في حفظه، وكذا لو عرف المستحقين وأمكنه التفريق عليهم فلم يفعل حتى تلفت، لأنه متعد بذل، فإن لم يتعد ولم يفرط لم يضمن.
قال النووي ينبغي للإمام والساعي وكل من يفوض إليه أمر تفريق الصدقات أن يعتني بضبط المستحقين، ومعرفة أعدادهم، وأقدار حاجاتهم، بحيث يقع الفراغ من جمع الصدقات بعد معرفتهم أو معها، ليعجل حقوقهم، وليأمن من خلال المال عنده.
وهذا حكم عام بالنسبة لجميع أنواع الزكوات والصدقات، ويندرج تحته الكلام عن صدقة الفطر.
ولكن قد يفيض لدى الإمام شيء من أموال الزكاة، أو يتأخر بعض الناس في إخراج زكاة أموالهم إلى يوم العيد، ولا يجد الإمام أو الساعي من يستحق الزكاة، أو من يأخذها منه. ففي هذه الحال يجب على الإمام أو الساعي حفظ هذه الزكاة في بيت الأموال الزكاة في بيت لأموال الزكاة  تحفظ وتضبط حتى لا تختلط بالأموال الأخرى إلى أن يتم صرفها.
وقد استدل بعض الفقهاء لجواز تأخير تقسيم زكاة الفطر بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، وبي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة: "قل: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، فقال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدته فجاء يحثو الطعام فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته، فخليت سبيله، فقال "إنه قد كذبك وسيعود" فرصدته الثالثة: فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني فإني أعلمك كلمات نفعك الله بها، قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، فخليت سبيله فأصبحت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعل أسيرك البارحة؟" قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: "وما هي؟ " قلت قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة" ؟ قلت: لا، قال "ذاك الشيطان".
قال الجوزقي: فيه دليل على جواز تأخيرها عن يوم الفطر.
22- اتفق الفقهاء على أنه يجزئ إخراج زكاة الفطر من خمسة أصناف البر والشعير والتمر والزبيب و الأقطان: إذا كان قوتا حيث يخرج، إلا في أحد قولي الشافعي في الأقط خاصة أنه لا يجزئ، وإن كان قوتا لمن يعطاه، والمشهور من مذهبه جوازه.
ودليله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "كنا نخرج زكاة الفطر، إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت".
واختلفوا في الأفضل من هذه الأجناس فقل مالك وأحمد: التمر أفضل، ثم الزبيب، وقال الشافعي: البر أفضل، وقال أبو حنيفة: أفضل ذلك أكثره ثمنا.
واختلفوا في إخراج زكاة الفطر من غير هذه الأصناف، فذهب المالكية والشافعية إلى أنه يجوز إخراجها من غالب قوت البلد.
واقتصر المالكية غالب قوت البلد على أصناف تسعة هي: القمح الشعير والسلت والذرة
والدخن والأرز والتمر والزبيب و الأقط.
فإذا أخرج من غير هذه الأنواع التسعة لا تجزئة على المشهور من المذهب، أما إذا لم توجد ولا بعضها، واقتيت غيرها من أنواع الحرث التي تجب فيها الزكاة فيخرج منه.
قال الشيخ العدوي: أعلم أن الصور خمس أحدها وجود التسعة مع اقتيات جميعها سوية، فيخير في الإخراج من أيها شاء، ثانيها وجودها غلبة اقتيات واحد منها، فيتعين الإخراج منه، ثالثها وجودها أو بعضها مع غلبة اقتيات غيرها.
فيجب منها تخييرا إن تعدد، ولا ينظر لما كان غالبا قبل تركها، وواجبا إن انفرد، ولو إقتيت نادرا، رابعها فقد جميعها مع غلبة اقتيات غيرها، فمما غلب، خامسها فقد جميعها مع اقتيات غيرها من متعدد، من غير غلبة شيء منه، فيخير في واحد منها، وأعلم أن قولنا فيتعين الإخراج منه: أي من الأغلب، أي فلا يجزئ أن يخرج من غير الأغلب، إن كان أدنى، وأما إن كان أدنى، وأما إن كان على أو مساويا فإنه يجزئ، وأنه يخرج من اللحم واللبن وشبههما مقدار عيش الصاع من القمح، كذا كان يفتي الشبيبي. وقال البرزلي ما معناه أنه يؤذن ولم يرتض فتوى الشبيبي .
أما الشافعية في المشهور فيرون أن كل ما يجب فيه العشر صالح لإخراج الفطرة منه. وكذا الجبن اللبن في معنى الأقط فيمن كان ذلك قوته وإلا فلا يجزئ.
ولا خلاف عندهم في أنه يجزئ السمن، ولا الجبن المنزوع الزبد، ولا يجزئ التين، ولا اللحم وإن كان يقتات بهما، لأن النص ورد في بعض المعشرات، وقيس عليه الباقي بجامع الاقتيات.
وكذا لا يجزئ الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز.
وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه، أصحها عند الجمهور غالب قوت البلد، لأن نفوس الفقراء متشوقة إليه، والثاني قوت نفسه، والثالث يتخير بين الأجناس. وعلى الصحيح وهو أن الواجب غالب قوت البدل لو كانوا يقتاتون أجناسا لا غالب فيها أخرج ما شاء، وقيل: يجب الأعلى احتياطا.
وبينوا أن المراد بالغالب ما كان غالب قوت البلد وقت وجوب الفطرة، لا في جمع السنة .
والمعتمد في مذهب أحمد أنه يخرج الفطرة من البر أو التمر أو الزبيب ولو منزوعي النوى أو الشعير، أو الأقط ولو لم يكن قوته، ولو وجد نوع من الأربعة السابقة، لحديث بي سعيد رضي الله عنه، وكذا يجزئ صاع مجمع من المذكورات.
قال البهوتي: فإذا جمع صاعا منها وأخرجه أجزاءه، كما لو كان خالصا من أحدهما.
ولا يشترط أن يكون المخرج منها قوتا للمخرج، كالتمر بمصر.
ويجزئ دقيق وسويق ، ولو مع وجود الحب، نص عليه أحمد، واحتج بزيادة انفرد بها بن عيينة من حديث أبي سعيد "أو صاعا من دقيق"، قال المجد بن تيمية: بل هما أولى بالأجزاء، لأن الفقير كفي مؤنة معالجة البر والشعير، كتمر نزع نواه.
ولا يجزئ غير هذه الأصناف الخمسة مع قدراته على تحصيلها، للأخبار الواردة ففي المسألة. فإن عدم المنصوص عليه من هذه الأصناف أخرج ما يقوم مقامه، من حب وثمر يقتات، إذا كان مكيلا، كالذرة والدخن والماش ونحوها.
أما الحنفية فمذهبهم أنه يخرج من المنصوص عليه، أو من غيره كذرة وخبز، وتعتبر فيه القيمة.
والمقصود تعتبر فيه القيمة: أنه إذا أراد أن يخرج زكاة الفطر من غير المنصوص عليه كالعدس مثلا فيقوم نصف الصاع من بر، فإذا كانت قيمته نصف دينار فإنه يخرج من العدس ما قيمته نصف دينار.
ويجوز عند الحنفية كالحنابلة تكميل جنس من جنس آخر من المنصوص عليه.
23-  والراجح عندي والله أعلم أن أبا سعيد رضي الله عنه ذكر هذه الأصناف على سبيل حكاية واقعة حال، حيث كانت هذه هي أقواتهم، ولا يوجد في الأحاديث الواردة في الموضوع ما يدل على المنع إخراج غير هذه الأصناف.
فعلى هذا أرى أنه يجوز إخراج زكاة الفطر من كل ما يقتات.

قال القرافي: تعديد هذه الأمور لا يمنع من قياس غيرها عليها، إما لأن هذا من مفهوم اللقب ، الذي هو أضعف المفهومات العشرة، فيقدم القياس عليه، أو القياس على باب الربا، ويؤكد القياس قوله صلى الله عليه وسلم "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم" فأشار إلى المقصود إنما هو غناهم عن الطلب.

وقال ابن تيمية: إذا كان أهل البلد يقتاتون أحد هذه الأصناف، أي المنصوص عليها، جاز الإخراج من قوتهم، بلا ريب، وهل لهم أن يخرجوا ما يقتاتون من غيرها؟ مثل أن يكونوا يقتاتون الأرز، والدخن، فهل عليهم أن يخرجوا حنطة أو شعيرا، أو يجزئهم الأرز، والدخن والذرة؟ فيه نزاع مشهور. وهما روايتان عن أحمد:أحدهما لا يخرج إلا المنصوص.
والأخرى: يخرج ما يقتاته. وإن لم يكن من هذه الأصناف، وهو قول أكثر العلماء، كالشافعي، وغيره، وهو أصح الأقوال، فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء، كما قال تعالى: "من أوسط ما تطعمون أهليكم".
والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، لأن هذا كان قوت أهل المدينة. ولو كان هذا ليس قوتهم، بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه، كما لم يأمر الله بذلك في الكفارات، وصدقة الفطر من الجنس الكفارات، هذه معلقة بالبدن، وهذه معلقة بالبدن، بخلاف صدقة المال فإنها تجب بسبب المال من جنس ما أعطاه الله .
24- وعلى الرأي الذي ارتضيناه فإنه يجوز إخراج اللحم والسمك، وغيرهما مما يصلح أن يقتات. وكيفية إخراجه تكون بالقيمة كما ذكرنا في مذهب الحنفية، ودليلنا في ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو سلت، أو زبيب، فلما كان عمر رحمه الله وكثرت الحنطة، جعل عمر نصف حنطة مكان صاع من تلك الأشياء".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع من قمح، على كل حر ومملوك، ذكر وأنثى، صغير أو كبير، فما قدم على رأي رخص السعر، قال: قد أوسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعا من كل شيء".
قال الطحاوي: وكلهم قد عدل الحنطة بمثليها من التمر والشعير، فكان النظر على ذلك . ويعضد هذا الفهم قول أبي سعيد رضي الله عنه لمن قال له: أو مدين من قمح، فقال: "لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها، ولا أعمل بها".
ففيهم من أثر أبي سعيد وغيره أن الصحابة اعتبروا القيمة فيما لم ينص عليه، والله أعلم.
25- ولا يجوز أن يخرج حبا كبيرا، كالمسوس والمبلول، ولا قديما تغير طعمه، لقول الله تعالى: "ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون"، فإن كان القديم لم يتغير طعمه، إلا أن الحديث أكثر قيمة منه، جاز إخراجه لعدم العيب فيه، والأفضل إخراج الأجود، قال أحمد: كان ابن سيرين يجب أن ينقي الطعام، وهو أحب إلي ليكون على الكمال، ويسلم مما يخالطه من غيره. فإن كان المخالط له يأخذ حظا من المكيال،
وكان كثرا بحيث يعد عيبا فيه لم يجزه ، وإن لم يكثر جاز إخراجه، إذا زاد على الصاع قدرا يزيد على ما فيه من غيره، حتى يكون المخرج صاعا كاملا .
26- اتفق الفقهاء على إن، الواجب إخراجه في الفطرة صاع من جميع الأصناف التي يجوز  إخراج الفطرة منها عدا القمح والزبيب، فقد اختلفوا في الواجب فيهما:
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة، إلى أن الواجب إخراجه من القمح والزبيب صاع.
واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من زبيب، أو صاعا من أقط، فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ما عشت".
وذهب الحنفية إلى أن الواجب إخراجه من القمح نصف صاع، وكذا دقيق القمح وسويقه، أما الزبيب فروي عن أبي حنيفة أنه يجب نصف صاع كالبر، لأن الزبيب تزيد قيمته على قيمة القمح، وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد إلى أنه يجب صاع من زبيب وهو المعتمد واستدلا بحديث أبي سعيد السابق. وقد دل الحديث على أن الذي كان يخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاع من الزبيب.
واستدل الحنفية بأحاديث وآثار كثيرة لوجوب نصف صاع من بر ، منها حديث عبد الله بن ثعلبة بن صعير رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قبل الفطر بيوم أو يومين، فقال: أدوا صاعا من بربين اثنين، أو صاعا من تمر، أو شعير، عن كل حر وعبد صغير وكبير".
والراجح عندي مذهب الحنفية، لكثرة أدلتهم وصحتها.
قال أبن عبد الهادي المقدسي الحنبلي: القول بإيجاب نصف صاع من بر قول قوي وأدلته كثيرة.
وقد قال بهذا القول عدا الحنفية الخلفاء الراشدون، وأبن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسماء بنت أبي بكر، وعمر بن عبد العزيز، وكبار التابعين، وأحمد في رواية، وأبن المنذر، وغيرهم.
قال الطحاوي: "وما علمنا أن أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين روي عنه خلاف ذلك. فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك، إذ كان قد صار إجماعا .
والرد على أدلة الجمهور مبسوط في( شرح معاني الآثار، تحقيق التنقيح، إعلاء السنن، ومراجع أخرى).
وقد فسر أبو سعيد المقصد بالطعام المذكور في حديث الجمهور، فقال: وكان طعامنا الشعير والزبيب و
الأقط والتمر .
وقال أبن المنذر: لا نعلم في القمح خبر ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه، ولم يكن البر
بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه.
قال التهانوي: أما قول أبي سعيد: "أما أنا فإني لا أزال أخرجه ما عشت أبدا".
فيمكنه تأويله: "أني لا أودي الصدقة من القمح، فلا حاجة لي إلى العمل بقول معاوية، بل لا أزال أودي بما به في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولابد من التأويل، لئلا يخالف قوله مذهبه، وهذا هو التحقيق. وإن سلمنا أنه خالف الناس، فلا يقدح أيضا في إجماع أكثر الصحابة كما قال الزيلعي، ونصه ولا يضر مخالفة أبي سعيد لذلك بقوله: "أما أنا فلا أزال أخرجه " لأنه لا يقدح في الإجماع، سيما إذا كان فيه الخلفاء الأربعة. أو يقال: أراد بالزيادة على قدر الواجب تطوعا.
27 - أختلف الفقهاء في مقدار الصاع ، فذهب جمهور الفقهاء إلى أن الصاع: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكعب بن عجرة "تصدق بفرق بين ستة
مساكين" قال أبو عبيد: ولا اختلاف بين الناس أعمله في أن الفرق ثلاثة آصع، والفرق ستة عشر رطلا، فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث.
روى: أن أبا يوسف حينما دخل المدينة سألهم عن الصاع، فقالوا: خمسة أرطال وثلث، فطالبهم بالحجة
فقالوا: غدا فجاء من الغد سبعون شيخا كل واحد منهم آخذ صاعا تحت ردائه فقال: صاعي ورثته عن أبي، وورثه أبي عن جدي، حتى انتهوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والرطل العراقي عندهم مائة درهم ثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم.
وقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال، لأن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد وهو رطلان ويغتسل بالصاع، فعلم من حديث أنس: أن مقدار المد رطلان. فإذا ثبت أن المد رطلان: يلزم أن يكون صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، وهي ثمانية أرطال لأن المد ربع صاع باتفاق.
والرطل العراقي عند أبي حنيفة: عشرون أستارا، والأستار: ستة دراهم ونصف .
وقد حاول الشيخ محمود خطاب السبكي الجمع بين القولين، وبيان أن الخلاف لفظي، وهي محاولة حسنة، فقال: "والحق أن الخلاف في وزن الصاع لفظي وبيانه:
أ - أن من قال: إنه خمسة أرطال وثلث رطل عراقي أعتبره من التمر والشعير(لقول) أبي داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلا وسمعته يقول: صاع أبن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، قال: فمن قال ثمانية أرطال؟ قال ليس ذلك بمحفوظ. ذكره البيهقي.
(وقال) الحسين بن الويد القرشي: قدم علينا أبو يوسف رحمه الله من الحج فقال: إني أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم همني، تفحصت عنه، فقدمت المدينة، فسألت عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غدا. فلما أصبحت أتاني نحو من
خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار، مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه أو عن أهل بيته أن هذا الصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظرت فإذا هي سواء فعايرته، فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير، فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة رضي الله عنه في الصاع ، وأخذت بقول أهل المدينة. ذكره البيهقي.
ومن قال: الصاع ثمانية أرطال أعتبره من الماء(لما روي) عبد الكريم عن أنس بن مالك قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال" أخرجه الدارطني والبيهقي بسند ضعيف. (وقال) والصحيح عن أنس بن مالك: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. ثم أخبرت أسماء بن أبي بكر أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر بالصاع، الذي كان يقتاتون به فدل ذلك على مخالفة صاع الزكاة والقوت صاع الغسل. (ومنه) يعمل أنه لا خلاف في وزن مد وصاع الفطرة. والاشتباه إنما جاء لعدم بيان الكيل بهما وهو يختلف خفة ورزانة .
28- وأختلف الفقهاء في مدى جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر، تبعا لاختلافهم في إخراج القيمة في الزكاة عموما ، وقد بينت جانيا من ذلك في بحث " إخراج التجارة من العروض نفسها". الذي قدمته إلى الندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة، التي عقدت بالقاهرة سنة 1409هـ.

وسأعرض ملخصا للمسألة  إن شاء الله تعالى: ذهب جمهور العلماء إلى عدم أجزاء إخراج القيمة في زكاة الفطر، وذهب الحنفية إلى جواز إخراجها ويوافقهم في ذلك كثير من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو وجه الشافعي، ورواية عن أحمد قال أبن قدامة: في غير زكاة الفطر، وهو مذهب البخاري في صحيحه، وأختاره بعض المالكية والشافعية والحنابلة. ومذهب إسحاق بن راهوية وأبي ثور أنها لا تجزئ إلا للضرورة . وليس المقصود بالمعنى الأصولي  بل يتجاوز الفقهاء أحيانا في استعمال هذه الكلمة وغيرها ، والمقصود هنا بالضرورة الحاجة، أو المصلحة الراجحة. ويبين ذلك كلام أبي عبيد رحمه الله تعالى قال أبو عبيد: فكل هذه الأشياء قد أخذت فيها حقوق من غير المال الذي وجبت فيه تلك الحقوق، فلم يدعهم ذلك إلى إسقاط الزكاة، لأنه حق لازم لا يزيله شيء. ولكنهم فدوا ذلك المال بغيره، إذا كان أيسر على من يؤخذ منه.
فكذلك أموال التجارة، إنما الأصل فيها أن تؤخذ الزكاة منها أنفسها، فكان في ذلك عليهم ضرر من القطع والتبعيض، فلذلك ترخصوا في القيمة ولو أن رجلا وجبت عليه الزكاة في تجارة، فقوم متاعه، فبلغت زكاته قيمة ثوب تام، أو دابة أو مملوك، فأخرجه بعينه، فجعله زكاة ماله، كان عندنا محسنا مؤديا للزكاة. وإن كان أخف عليه أن يجعل ذلك قيمة من الذهب والورق، كان ذلك له .
وبمثل قوله قال أبن زنجوية . وهو اختيار أبن تيمية وغيره، وبه يفتي في غالب البلدان الإسلامية .سئل أبن تيمية عمن أخرج القيمة في الزكاة، فإنه كثيرا ما يكون أنفع للفقير، هل هو جائز أولا؟

فأجاب: وأما إخراج القيمة في الزكاة، والكفارة، ونحو ذلك فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع ، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين.
والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة، ولا مصلحة راجحة ممنوع منه. ولهذا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الجبران بشاتين، أو عشرين درهما، ولم يعدل إلى القيمة ، ولأنه متى جوز إخراج القيمة مطلقا، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر، ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه، وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة، أو العدل، فلا باس به، مثل أن يبيع ثمر بستانه، أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلف أن يشتري ثمرا أو حنطة، إذ كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نص أحمد على جواز ذلك.
ومثل أن يجب عليه شاة في خمس الإبل ، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كاف، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى ليشتري شاة، ومثل أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة ، لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء، كما نقل من معاذ بن حنبل أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني بخميس، أو لبيس أسهل عليكم، وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار.
وهذا قد قيل إنه قاله في الزكاة، وقيل: في الجزية. وهذا الذي نختار من آراء العلماء رحمهم الله تعالى: لظهور أدلته. ومن أراد بسط الأدلة والردود والإجابات فليرجع إلى المراجع التالية: طريقة الخلاف للأسمندي ، إيثار الإنصاف في الخلاف لسبط أبن الجوزي، الغرة المنفية للغزنوي ، تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال للحافظ الغماري، وغيرها من كتب الفقه المقارن، وكتب
الخلافيات.
29-  تفرق زكاة الفطر في البلد الذي وجبت على المكلف فيه، سواء أكان ماله فيه أم لم يكن، لأن الذي وجبت عليه هو السبب الرئيسي لوجوبها، فتفرق في البلد الذي سببها فيه. قال أبو عبيد: والعلماء مجمعون على أن أهل كل بلد من البلدان، أو ماء من المياه أحق بصدقتهم، مادام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها بذلك جاءت الأحاديث مفسرة. ومن أمضى بعض رمضان في بلد، ثم سافر إلى آخر، فتجب عليه زكاة الفطر في البلد الذي يطلع عليه فجر يوم العيد. فإن كان قد عجل زكاته قبل ذلك فتصح منه إن شاء الله على ما اخترنا والله أعلم. ولو كان في بلد، ومن تلزمه مؤنته في بلد آخر، أخرج زكاة الفطر في بلده نفسه، لأنه تلزمه هو بالأصالة. وإذا وجبت عليه في صحراء، أو استغنى أهل بلده، جاز له نقلها إلى أقرب البلاد إلى بلده، أو دفعها للإمام لينقلها. والدليل على ما رواه أبو عبيد عن أبن جريج قال: أخبرني خلاد أن عمرو بن شعيب أخبره: "أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند، إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ثم قدم على عمر، فرده على ما كان عليه، فبعث إليه معاذ بثلث الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم. فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني. فلما كان العام الثاني بعث إليه شطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك. فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا". أما لغير ما ذكر، فقد ذهب جمهور العلماء إلى حرمة نقل الزكاة عن بلدها الذي وجبت فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" . وللأثر الذي مر معنا عن معاذ رضي الله عنه ولأن عمر بن عبد العزيز أتى بزكاة من خراسان إلى الشم فردها إلى خراسان، ولأن قلوب الفقراء متعلقة بها. واختلفوا في مسافة الحرمة، فذهب المالكية والحنابلة إلى حرمة نقلها إلى ما يزيد على مسافة القصر ، أما الشافعية  في الأظهر فيحرم عندهم نقلها إلى مسافة ولو دون مسافة القصر. واستثنى المالكية من ذلك أن يوجد من هو أحوج إليها ممن هو في بلده ، فيجب حينئذ نقلها منها، ولو نقل أكثرها، وعند الحنابلة يجوز نقلها مع رجحان الحاجة، أو لمصلحة راجحة على الراجح. واستثنى الشافعية الإمام والساعي، فيجوز لهما النقل.
قال النووي: وأعلم أن عبارة المصنف، أي الشيرازي، تقتضي الجزم بجواز نقل الزكاة للإمام والساعي، وأن الخلاف المشهور في نقل الزكاة إنما هو في نقل رب المال خاصة، وهذا هو الأصح.
وقال ابن منقور النجدي الحنبلي: هل يجوز أن يوكل الفقير من يقبضها من بلد المالك، لأن وكيله كهو، وهي بعد قبض الوكيل على ملك الموكل، أم لا يجوز، لأنه ذريعة إلى نقلها المنهي عنه؟ فيها نقل، والأول أولى . ومقتضى قولنا : إن الإمام وكيل عن الفقراء، يلزم منه جواز النقل للإمام على ما رجحه ابن منقور من الحنابلة والله أعلم. ويرى الحنفية أن يكره تنزيها نقل الزكاة من بلد إلى بلد، وإنما تفرق صدقة كان أهل بلد فيهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم". ولأن فيه رعاية حق الجوار. واستثنى الحنفية أن ينقلها المزكي إلى قرابته، لما في إيصال الزكاة إليهم من صلة الرحم قالوا: ويقدم الأقرب فالأقرب. واستثنوا أيضا أن ينقلها إلى قوم هم أحوج إليها من أهل بلده، وكذا لأصلح، أو أورع، أو أنفع للمسلمين، أو من دار الحرق إلى دار الإسلام، أو إلى طالب علم .

وإن نقلت الزكاة حيث لا مسوغ لنقلها مما تقدم، فقد ذهب الحنفية والحنابلة على المذهب إلى أنها تجزئ عن صاحبها، لأنها لم تخرج عن الأصناف الثمانية.
وقال المالكية: إن نقلها لمثل من في بلده في الحاجة فتجزئه مع الحرمة، وإن نقلها لأدون منهم في الحاجة لم تجزئه على ما ذكره خليل و الدردير، و قال الدسوقي: نقل المواق أن المذهب الإجزاء بكل حال وهو الراجح. وقال الحنابلة في رواية: لا تجزئه بكل حال، وهو الأظهر عند الشافعية. وحيث نقلت الزكاة فأجرة النقل عند المالكية تكون من بيت المال لا من الزكاة نفسها. وقال الشافعية والحنابلة: تكون على
المزكي.
30- وملخص المسألة أنه لا خلاف بين الفقهاء في جواز نقل الفطرة عند استغناء أهل البلد عن الصدقة، لفعل الصحابة ذلك، وكذا يفهم من كلامهم أنه يجوز للإمام أو ن ينوب عنه النقل إذا رأى مصلحة في ذلك.

قال ابن زنجوية : لسنة عندنا أن الإمام يبعث على صدقات كل قوم من يأخذها من أغنيائهم، ويفرقها في فقرائهم، غير أن الإمام ناظر للإسلام وأهله، والمؤمنون أخوة، فإن رأى أن يصرف من صدقات قوم لغناهم عنها، إلى فقراء قوم لحاجتهم إليها، فعل ذلك على التحري والاجتهاد، وكذلك الرجل يقسم زكاة ماله، لا باس أن يبعث بها من بلد إلى بلد، لذي قرابة أو صديق أو جهد يصيب بها ذلك البلد. والأدلة تعضد هذا الفهم . وكذلك يرى جمهورهم جواز النقل عند نزول حاجة بالمسلمين قال سحنون: لو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة، جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه، فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج، "والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه". وعلى هذا يدل فعل الصحابة والخلفاء. أما عند عدم الحاجة إلى النقل فالذي اختاره أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه لم يأت نهي صريح عن النقل لتقول بمقتضاه، ولكن جاء الأمر بأخذها من أغنيائهم، وردها في فقرائهم، والضمير يحتمل أن يكون للمسلمين جميعهم.
قال ابن دقيق العيد: وقد استدل بقوله عليه السلام: "أعلمهم أن الله فرض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم "على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال. وفيه عندي ضعف، لن الأقرب أن المراد تؤخذ من أغنيائهم من حيث أنهم مسلمون، لا نم حيث أنهم من أهل اليمن، وكذلك الرد على فقرائهم. وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالا قويا. ويقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقطع أن ذلك غير معتبر.وإنما قلنا
بالكراهة، لحرص الصحابة على قسمتها في بلادها. ومما سبق يظهر لنا أنه لا حرج على المؤسسات الزكوية الرسمية في نقل الزكاة، إذا كان بالمسلمين حاجة ماسة، أو قدرت مصلحة راجحة في ذلك، لأنها قائمة مقام الإمام، بشرط مراعاة مصلحة الرعية الذين تحت سلطته، لأن تصرفات الإمام على الرعية منوطة بالمصلحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من أمير على أمور المسلمين، ثم لم يجهد لهم وينضح لهم كنصحه لنفسه، إلا لم يدخل معهم الجنة ". قال الإمام الشافعي: منزل الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم . ولذا لا يجوز لهذه المؤسسات أن تتصرف بما تحت رعايتها من أموال المسلمين، إلا بما يحقق لهم أكبر مصلحة. ومؤنة النقل تكون في الأموال الزكوية. أما المؤسسات الأهلية فلا يجوز لها نقلها شيء من هذه الزكوات إلى الخارج، إلا بإذن من أصحابها بالشروط التي ذكرناها سابقا، لأنها وكيلة عنهم، وكل تصرف خالف الوكيل موكله فيه، فهو كتصرف الفضولي، لا ينعقد، إلا إذا كانت المخالفة إلى ما هو مأذون ففيه عرفا فيصح، كما لو وكله بأن يبيع بمائة درهم فباع بمائة دينار ونحو ذلك. ومؤنة نقل الزكاة في هذه الحال تلزم مخرجها والله أعلم.
31- والسؤال المثار: ما حكم اختلاف المطالع بالنسبة للمزكي الذي قام بنقل زكاته؟ إن قلنا بقول الجمهور لا أثر لاختلاف المطالع، فإذا رئيس الهلال ببلد لزم المسلمين في كل مكان الصيام أو الفطر ، لقوله تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، والأحاديث الواردة في المسالة . فإنه لا ضير على المسلم في إخراج زكاته ونقلها، متى حجم برؤية الهلال في أي بلد مسلم، لأن بلاد المسلمين واحدة.
هذا بالنسبة لتقديمها، بحيث سبق وصولها إلى بلدة على رؤية هلال رمضان فيها. أما بالنسبة لتأخر وصولها عن يوم العيد ، فسنتلكم عنه عند كلامنا على اعتبار اختلاف المطالع، كما هو مذهب الإمام الشافعي ومن وافقه. وفي حال اعتبار اختلاف المطالع، يكون الإنسان محاسبا على حكم بلده الذي يقيم فيه، إذا دفعها بعد ثبوت شهر رمضان في بلده إلى المؤسسات الزكوية الرسمية،لأنها وكيلة عن الفقر فإن دفعها بعد ثبوت شهر رمضان في بلده إلى المؤسسات الزكوية الرسمية، فقد برئت ذمته، سواء هم أخرجوها إلى البلاد الأخرى، قبل ثبوت رمضان فيها، إن أمكن، أو بعد يوم العيد، وهو الغالب. أما بالنسبة لمن يدفعها إلى المؤسسات الزكوية الأهلية، فلا يجوز لها أن تنقل هذه الزكاة إلى أي بلد قبل ثبوت هلال رمضان فيها، لأنها تقوم مقام المزكي، لأنها وكيلة عن المزكي . جاء في القواعد الفقهية: الوكيل أمين، ولسانه كلسان الآمر، أي تنسب تصرفاته إلى الموكل. ففي هذه الحالة كأنما يكون المزكي قد دفعها قبل ثبوت شهر رمضان(وهذا لا يصح على ما أخذنا  والله أعلم. وكذلك لا يجوز لهذه المؤسسات تأخيرها عن يوم العيد، كما ذكرنا في الفقرة 6، ولكن يلزم إيصالها قضاء. والإثم في هذه الحال على المزكي، إن كان قد تأخر في دفعها إلى هذه المؤسسات، بحيث لا يسع الوقت لإيصالها
لمستحقيها، وكذا لو كان يعلم أن هذه المؤسسات تتوانى في إرسال الزكاة في وقتها. وينبغي للمسئولين على هذه المؤسسات أن لا يقبلوا الزكاة، إن علموا من أنفسهم العجز عن إيصالها في وقتها، وإلا كانوا شركاء في الإثم، والله أعلم.
32- أما مصاريف زكاة الفطر فهي مصارف الزكاة عند جمهور العلماء، لقوله تعالى: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم" . وزكاة الفطر داخله في هذا العموم.
وذهب المالكية في المشهور وابن تيمية وابن القيم إلى أنها تصرف للفقراء والمساكين . قال ابن القيم. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تخصيص المساكين بهذه الصدقة، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضة قبضة، ولا أمر بذلك، ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم، بل أحد القولين عندنا: أنه لا يجوز إخراجها إلا على المساكين خاصة، وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية. والراجح عندي مذهب الجمهور، لعموم قوله تعالى: "إنما الصدقات .. الآية "، ولعموم
الأحاديث الواردة في الزكاة، ولم يرد عنه نص يخص زكاة الفطر بحكم خاص من حيث التقسيم.وكلام ابن القيم يحتاج إلى دليل لإثبات دعواه، وعلى فرض صحة ما قاله فليس فيه دليل على المنع من قسمتها على بقية الأصناف. أما قوله صلى الله عليه وسلم "طعمة للمساكين" فهو كقوله صلى الله عليه وسلم "الحجة عرفة"  وقوله "تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" ، أي غالب الأمر فيها أن تكون طعمة للمساكين والله أعلم، وهل يجب تعميم جميع الأصناف الثمانية، أو يجوز دفعها لصنف واحد منها؟

الخلاف في المسألة تابع للخلاف في قسمة مال الزكاة، فمذهب الجمهور أنه يجوز أن يعطي الواحد ما يلزم الجماعة، والجماعة ما يلزم الواحد، خلافا للشافعية،؟  لقوله صلى الله عليه وسلم "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم". وهو الراجح عندي والله أعلم. ولا يجوز إعطاء الذمي منها خلاف للحنفية، لأنها زكاة. وقد أجمع أهل العلم على عدم جواز إعطاء أهل الذمة من الزكاة، كما نقل ابن المنذر وغيره، ويعضد هذا القول حديث معاذ "تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم". فقد أمر برد الزكاة في فقراء من تؤخذ من أغنيائهم، وهم المسلمون. وفي المؤلفة قلوبهم خلاف .
33- تلخيص نتائج البحث: وفي ختام هذا البحث أحاول أن ألخص النتائج التي توصلت إليها خلال بحثي في المسألة، الذي أسأل الله تعالى أن يتقبله بقبول حسن، وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل، وأن يتجاوز عن كل ما وقع مني من زلل.
1- فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين.
2- سبب وجوبها وجوب المسلم ودخول رمضان والفطر منه.
3- وقت وجوب زكاة الفطر طلوع فجر عيد الفطر، لذا يستحب إخراجها قبل الخروج للصلاة، ولا يجوز تأخيرها بعد يوم العيد، ومن أخرها عن يوم العيد قضاها، مع الإثم إن كان مقصرا في التأخير.
4- يجوز تقديم زكاة الفطر من أول رمضان.
5- تجب زكاة الفطر على كل مسل يجد ما يزيد على قوته وقوت عياله. وهي تلزمه عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين. أما من لا تلزمه نفقته كأولاده الأغنياء والقادرين على الكسب، ومن تبرع بمؤنته في رمضان، فلا تلزمه فطرته، كالخادم والسائق والأيتام والأسر الفقيرة التي يتصدق عليها.
6- لا يمنع الدين المؤجل من إيجاب صدقة الفطر.
7- من وجد ما يخرجه عن نفسه أو عن بعض من يمونه لزمه إخراجه. وكذا من وجد بعض الواجب لزمه إخراجه.
8- لا يلزمه الاقتراض لدفع الفطرة.
9- يجوز للفقير الذي دفع الفطرة أن يأخذ منها.
10- يستحب إخراج الفطرة عن الجنين، ولا يلزم.
11- الأفضل للمسلم أن يلي تفرقة زكاته بنفسه، ويجوز أن يدفعها للإمام أم من ينوب عنه ، وكذا يجوز أن يوكل في دفعها.
12- النية شرط لصحة إخراج الزكاة، لذا لا يجوز للمؤسسات الزكوية صرف مبالغ زكاة الفطر مسبقا تقديرا، ثم حسمها مما يدفعه المسلمون.
13- المؤسسات الزكوية وكيلة عن الفقراء، والأهلية وكيلة عن المزكين.
14- لا يجوز للمؤسسات الزكوية التصرف في مال الزكاة بما يخرجها عن طبيعتها، إلا لحاجة أو مصلحة راجحة.
15- لا حرج على المؤسسات الزكوية الرسمية في تأخير زكاة الفطر، إذا لم تجد من يأخذها، أو لم يسعها الوقت في إخراجها.
16- تخرج زكاة الفطر من غالب قوت البلد، سواء أكان حبا أم غيره من المطعومات كاللحم ونحوه، ولا يخرجها من المعيب والمسوس ونحوهما. ويجوز إخراجها نقدا، إذا كان في ذلك مصلحة للفقير، أو كان أيسر على المخرج، أو رأى الإمام أو الساعي مصلحة في ذلك.
17- الواجب في الفطرة نصف صاع من بر، وصاع من غيره، أو قيمة ذلك، والصاع يساوي 5 - 2 كجم من الأرز ونحوه.
18- تفرق زكاة الفطر في البدل الذي يكون فيه المخاطب بها، ومن أمضى بعض رمضان في بلد، ثم سافر إلى غيره، وجبن عليه في البلد الذي يطلع عليه فجر العيد فيه.
19- يجوز نقل الزكاة لحاجة أو مصلحة راجحة يقدرها الإمام أومن ينوب عنه فيها، كنا يجوز للأفراد نقلها لأقاربهم، إذا كانوا محتاجين إليها، أما لغير ذلك فيكره نقلها. ومؤنة نقلها من مال الزكاة إذا نقلها الإمام، وعلى المزكي إذا نقلها الأفراد أو مؤسسات الزكاة التطوعية.
20- إذا دفع المزكي زكاته للإمام أو منم ينوب عنه برئت ذمته، ولا حرج عليه فيما إذا أخرها الإمام. أما إذا دفعها إلى وكيل خاص كالمؤسسات الأهلية، فهو مسئول عنها.
21- مصارف زكاة الفطر هي مصارف الزكاة، ويجوز أن تدفع زكاة أشخاص لصنف واحد من هذه المصارف، وكذا يجوز أن تدفع زكاة شخص إلى أكثر من صنف.
22- لا يعطي غير المسلم من زكاة الفطر.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينان محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.